الأخبار:  أخبار لبنان  |  أخبار سوريا  |  أخبار فلسطين  |  أخبار الأردن English | Français

مقالات

 
مدير مركز "سكايز" أيمن مهنّا: الاستنسابية مرفوضة.. والحريات تراجعت
October 9, 2017
الكاتب: ماجدة الحلاّني
المصدر: جريدة "الشرق"


طغى مشهد "انتهاك القانون" (في غياب قانون ينظّم الإعلام الإلكتروني نستند إلى قانون المطبوعات) واستغلال الحرية الذي يقوم به عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، واعتماد نوع من الاستخدام غير المنضبط لوسائل الإعلام الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي في لبنان.

مشهد يتبعه مشهد من التوقيفات من قِبَل "مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية" أو غيره من الأجهزة. تختلف وجهات النظر حول هذا النوع من التوقيفات، فنرى من يعتبرها كمّاً للأفواه وأن "الستاتوس مش جريمة"، وآخرون يعتبرون أسلوب بعض الموقوفين بشاعة وإسفافاً في استخدام العبارات النابية والأسلوب السفيه للتعبير عن الرأي، ويجب ضبطه. وفعلاً تختلف أحياناً وجهات النظر من موقوف إلى آخر خصوصاً أن اللائحة طويلة من كريم حوا (2014) وباسل الأمين (2016)، مروراً بحسن سعد وإلكسي ابراهيم (شباط 2017) وأحمد أمهز (آذار 2017) وهنادي جرجس (آب 2017)، وصولاً إلى الأسير المحرر أحمد إسماعيل، ومدونة الموضة ريتا دحدح فواز. أما الصحافيون فتوقيفهم محدود جداً ونذكر على سبيل المثال توقيف الصحافي فداء عيتاني في شهر تموز 2017.

وقفت "الشرق" على هذه الظاهرة محاوِلةً استطلاع رأي "مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية" (سكايز) وميكرو رصيف سريع في أحد شوارع العاصمة.

الصحافي لديه حصانة

لعلّ الموضوع ينقسم الى قسمين: الاول متعلّق بالصحافيين وآخر بالناشطين أو مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي. ويكشف مدير مركز "سكايز" أيمن مهنا أنه "بغضّ النظر عن عدم وجود قانون ينظّم الإعلام الإلكتروني، فإن أحد أفضل الأشياء الموجودة في لبنان أن الصحافي لا يمكن أن يوقَف احتياطياً، ولا يوجد أحكام بالسجن إلا في حالات نادرة بسبب ممارسته لمهنته، وهذا ما يميّز لبنان كدولة في المنطقة وضروري ان يستمر". ويضيف: "إن محكمة المطبوعات هي الجهة المولجة النظر بالدعاوى الإلكترونية المتعلّقة بالصحافيين العاملين في المواقع الإلكترونية، ولعلّها الجهة التي تقدّم ضمانات أكثر من المحاكم الجزائية العادية. وتمّ استثناء مواقع التواصل الاجتماعي من اختصاص محكمة المطبوعات. أي أن الصحافي لديه ضمانة إن كتب في أي موقع إلكتروني وليس لديه هذه الضمانة إن كتب في أي موقع تواصل اجتماعي. وعلى هذا الأساس تمّ استدعاء فداء عيتاني لأن ما كتبه كان على صفحته الخاصة على موقع فيسبوك ولم يكتبه على موقع الجريدة الإلكتروني التي يكتب فيها". ويتابع: "في قضية سابقة حصلت مع الصحافي مهند حج علي الذي كان يكتب في أحد المواقع الإلكترونية، فالصحافي لا يحقَّق معه من قِبل قوى أمن إنما من خلال النيابة العامة والأجهزة القضائية. لذلك، كان لدينا شكّ وريبة في استدعاء الصحافي فداء عيتاني أمام مكتب (مكافحة مكتب جرائم المعلوماتية)، لأنه بالنسبة إلينا لا يجوز أن يمثل الصحافي بسبب كتاباته أمام جهة أمنية إنما أمام جهة قضائية، بغضّ النظر عن مسألة أين كتَب أو نشَر. علماً أن عيتاني تم توقيفه ليس على خلفية كتاباته إنما بسبب حكم صادر بحقه بغرامة مالية في دعوى سابقة على الجريدة التي كان يكتب فيها ولم يتمّ تسديدها، ونحن نعتبر أن هذا نوع من الضغط النفسي".

 بعد كلام مهنّا، نشعر أن الصحافي لديه نوع من الحماية النسبية في القانون اللبناني. ولكن هذا ليس ما يشعر به الصحافيون حيث يشعر عدد كبير منهم بنوع من الضغوط التي تمارَس عليهم من داخل مؤسساتهم الإعلامية، أو من قِبل بعض رجال السياسة أو الاعمال، في حال تناولوا موضوعات تمسّ بهؤلاء. وخير مؤشر على ذلك ما يؤكده مهنّا في هذا الاطار عن أن "الأمور تتجه إلى نوع من الضغط على الصحافيين وضغط المخابرات أكثر والاتصالات ، والمشهد يشبه ما قبل 2005 حيث تتم دعوة بعض الصحافيين الى فناجين قهوة! ويتم الطلب من المراسلين الذين يدخلون مناطق معيّنة إبراز كل المواد الاعلامية التي صوّروها أو حصلوا عليها قبل الخروج من المنطقة، وهذا جديد ومخالف للقوانين ويتم تبريره تحت شعار مكافحة الارهاب".

تقييد حرية التعبير

أما بالنسبة إلى غير الصحافيين من الناشطين أو غيرهم، فنشهد حالة من كمّ الأفواه" وتقييد حرية التعبير التي كفلها الدستور (حرية التعبير التي لا تخرج عن الآداب العامة وأدبيات التخاطب).

حالات كثيرة شهدناها في السنوات الأخيرة من توقيفات وتحقيق مع أشخاص على خلفية "بوستات" على مواقع التواصل الاجتماعي، آخرها كان مع مدوّنة عبّرت عن رأيها بمثليّي الجنس، فكان "مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية" بالمرصاد بحجة "القدح والذم" التي باتت حجة من لا حجة له.

ويرى مهنّا في هذا الإطار أن "مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية هو الجهة المخوّلة التحقيق، لأن هؤلاء الأشخاص ليسوا صحافيين، وكل تهم القدح والذم والتشهير لا تزال من ضمن قانون العقوبات كجرائم الجنح او أي جريمة أخرى، وعقوبتها جزائية توضع على سجل الشخص العدلي في حال تمت إدانته او الحكم عليه على هذا الأساس. وبغضّ النظر، فهذه (الجرائم) الإلكترونية تحوَّل تلقائياً من النيابة العامة الى مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية. ونحن نتمنّى أن تكون جرائم القدح والذم قضايا مدنية وليست جزائية. الواقع الآخر المحزن، أن على السوشال ميديا هناك مئات الآلاف من الشتائم يومياً بينما في الأسبوع أو الأسبوعين مرة يتم استدعاء شخص للتحقيق معه على خلفية شتيمة لأنها تكون طاولت قضية حساسة بالبلد أو شخصاً من المسؤولين السياسيين في البلد، الغريب بهذه القضية أن تطبيق القانون، أوالاستنسابية في تطبيقه، مشكلة حيث يتم تسييسه في كل مرة"!.

ويلفت إلى أن "وزير العدل سليم جريصاتي أصدر في 20 شباط 2017 كتاباً رقم 1029/م/2017 موجهاً الى النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود، يطلب فيه عدم توقيف أي شخص احتياطياً بسبب الرأي أو الموقف الذي يبدى على مواقع التواصل الاجتماعي، وتطبيق القوانين المرعية بالإحالة أمام قضاء التحقيق وقضاء الأساس المختص وتنتفي الاستنسابية والمراجعات في غير موقعها". (أنظر المستند).

ويوضح أن "ما أصدره وزير العدل ليس ملزماً إنما دوره توجيهي وهو رجل مخضرم في هذا المجال، ويعطي توجيهاً منطقياً جداً، كونه من المستحيل محاكمة جميع الناس، فلا ضرورة الى إرهاق مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية بهذه القضايا بل إفساح المجال أمامه لمكافحة جرائم إنتحال الصفة، الجرائم المالية أونلاين، الشبكات الإرهابية، جرائم الإتجار بالبشر إلكترونياً، جرائم الإخلال بالآداب تجاه الأطفال، كل هذه الجرائم الإلكترونية، ويترك موضوع القدح والذم والتشهير لأنها كلها ناجمة عن (خناقات)".

"بوستات" مسيئة

المؤكد أن هناك تجاوزات كثيرة لحرية التعبير في "بوستات" بعض الأشخاص. هذه الإساءة والبذاءة في التعبير لا بد من لجمها بالقانون. حرية التعبير لا تعني أبداً الإسفاف والبذاءة في التعبير. بعض الأشخاص الذين يعتمدون هذا الأسلوب في حياتهم لا يجوز أن يُترك لهم المجال لممارسته إلكترونياً عندما يتناولون أشخاصاً وقضايا عامة.

فخير مثال على ذلك ما كتبه جان عاصي من شتائم بحق رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان، وباسل الأمين الذي آثر لغة الحذاء في بوسته. ويوضح مهنّا في هذا الاطار أن "أكثر شخص دافع عنهم هو الوزير باسيل وكتب بوست مفاده أنه يمنع توقيف أي شخص والتحقيق معه مما يمس حرية الرأي والتعبير وهو أكثر شخص حالياً غيّر موقفه بهذا الخصوص ويتقدم بشكاوى".

ويتابع: "إن وضع قضايا هؤلاء الأشخاص على موقع (سكايز) للإضاءة فقط، إنه لمواكبة العصر والتداول الإعلامي والتغطية الإعلامية، لا يمكن تفادي مواقع التواصل الاجتماعي وليس قضية معينة بالتحديد. يهمنا ماذا يعني التوقيف بالنسبة إلى حرية المواطن وحرية التعبير عن الرأي وعن نفسه على مواقع التواصل الإجتماعي، وما هو الخطر الذي سيواجهه في حال كتب أمراً معيناً. فالاستنسابية مرفوضة، وبغضّ النظر عن سفاهة ما كتبه هؤلاء تم توقيفهم". ونحن كمركز سكايز نغطي هذا الموضوع رفضاً للحرية المجتزأة".

ويضيف: "بالنسبة إلينا، أي ممارسة عقابية تحدّ من الحريات ووفق المواثيق الدولية هناك معايير لاستخدامها. أولاً إن القانون يجب أن يلحظ بشكل واضح الجرم الذي يتم التوقيف على أساسه. ثانياً، أن يكون الإجراء ضرورياً ومتناسباً مع الفعل لتفادي تفاقمه وزيادة خطره على المجتمع. والسؤال هناك ما هي الحاجة إلى حجز حرية الشخص والاستنسابية في التوقيفات؟"!.

ويؤكد أن «على الرغم من بشاعة ما يُكتب كبوستات، فإن حجز حرية شخص وعدم إعلام ذويه بمكان حجزه مخالف للشرائع الدولية ولا يتطابق مع معيار الضرورة والتناسب".

الواضح أن هدف "سكايز" هو عدالة العقاب وعدم الاستنسابية في الإجراءات المتّخذة والتي تستخدم لأسباب سياسية وتبريرات أمنية.

الحريات

هل هناك تراجع ملحوظ للحريات في مجتمعنا تحت مسوّغات سياسية وأمنية؟

يؤكد مهنا في هذا السياق أننا "نتجه الى نظامٍ الحريات فيه مصانة بنسبة أقل، والمسوّغات المستخدمة مرتبطة بالواقع الزمني بشكل كبير، وسائل الإعلام عادت الى حالة من الرقابة الذاتية، وهناك حالة غير مباشرة بالنسبة الى الجمعيات التي تدافع عن حقوق الإنسان، والتي تنتقد أحياناً أداء القوى الأمنية. وإذا كانت القوى الأمنية تقوم بواجبها بحماية البلد من الإرهاب، فإذاً، كأننا نضع هذه الجمعيات في موضع الدفاع عن الإرهابيين، وهذه المعادلة مرفوضة قطعاً."

إن استغلال الحرية بشكل استفزازي وبشع على مواقع التواصل الاجتماعي أمر مرفوض ويجب ضبطه. فيمكن التعبير عن الرأي بطريقة حضارية واستخدام تعابير تخدم الفكرة وعدم استعمال الأسلوب "السوقي" الذي غالباً ما يعكس أسلوب صاحبه.

ومن جهة أخرى، لعل هذه "البوستات" ولغتها الرخيصة وإسفاف تعابيرها تستحق العقاب، ولكن هذا العقاب أو الردع لا يستدعي التوقيف وحجز الحرية إنما يمكن ببساطة إحالة صاحبها على المحاكم المدنية، ويمكن الاكتفاء بتعويض مادي! إضافة إلى رفض الاستنسابية في التوقيفات وانتفاء معيار الضرورة.