الأخبار:  أخبار لبنان  |  أخبار سوريا  |  أخبار فلسطين  |  أخبار الأردن English | Français

مقالات

 
يوم عالمي لمكافحة الإفلات من العقاب.. والخطر يزداد
November 6, 2018
الكاتب: يوسف ملحم الهاشم
المصدر: جريدة المستقبل

الجريمة والعقاب، أبعد من عنوان رواية للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي.. هذه الثنائية ضرورية وأساسية. إذا لم ينل المُجرم جزاءَه، فالمجتمعُ كلُّهُ سوف يُعاقَب. إذا لم يَنَل المجرمُ جزاءه، فستَفقِد الإنسانية أساسيّاتها: تمييز الحقّ عن الباطل، الصحّ عن الخطأ، العدل عن الظلم، الحبّ عن الكره. لا حقيقة من دون مواجهة الجريمة بالعقاب، وإلا تفشّت الجريمة، وعمّ الفساد.

منذ ظهورها، والصحافة تحاول أن تكشف الجرائم، الصحافة الحرّة. تكشف الجريمة والمجرم، وتواكب عمل الشرطة والقضاء من موقعها المحيط بقضايا الرأي العام. تكشف الإجرام وتُطالب بالعقاب، تنبري وتُساجِل إذا كان العقاب غير متناسب مع الجرم، وإذا لُفْلِفَت القضايا وحصلت الصفقات وجرى ظلم البريء وتبرئة الظالم. «إنّي أتّهم»، قالها الكاتب الفرنسي إميل زولا ذات يوم، واختصر بها كل معاني الصحافة والثقافة والالتزام والحرية والمسؤولية.

لأجل هذا تعرَّض أهلُ القلم والفكر والإبداع، أهلُ الصحافة والإعلام الرصينون والأحرار، لا المتزلّفون والراكضون وراء حبّ الشهرة والمال والكذب، تعرّضوا لشتّى أنواع الغدر والدسّ والسجن والنفي.. والاغتيال. شهداء الصحافة في بلد مثل لبنان يَختصرون بملحمتهم كلَّ تاريخ البلد، كلَّ تاريخ الحرّية. والصحافي الشهيد سمير قصير في هذا المضمار نموذج صميم في الذاكرة والوجدان والوعي، عن صحافي ومفكّر تمثَّل بإميل زولا قبله، ومضى يكشف الظلم والظلام، فكان الإجرام بحقّه، ليس بحقّه هو فقط، بل بحقّ كلمة الحرّية، بحقّ القيمة الإنسانية الجوهرية الرئيسية والفذّة، التي من دونها تسقط إنسانية الإنسان، ويصير عَدَماً. النضالُ من أجل الحرّية يعني النضالَ من أجل معاقبة المجرم. معاقبتُه لها أساس قضائي، لكنّ متابعة عمل القضاء والسهر على أن تُكشف الحقائق الجرمية، وأن تنتصر العدالة للحقيقة، وأن لا يمرّ الإجرام بحقّ الصحافيّين والإعلاميّين وعموم أهل الرأي والقلم والفكر من دون عقاب، كلّها ضرورية لمتابعة الإبداع وصوْن هذا المفهوم الكبير، الحرّية.

في اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكَبة بحق الصحافيّين، نستذكر سمير قصير بقوة، بحزن وأسى، لأن العدالة القضائية لم تُنزِل بعد العقابَ بمَن قتَله بتفجير سيّارته، قبل ثلاثة عشر عاماً، ولأنه منذ ذلك الحين تكاثرت بشكل مريع الجرائم ضد الصحافيّين، ونحن في القرن الحادي والعشرين، لا في عصور الظلام.. يُفترض. قُتِل أكثر من ألف صحافي عبر العالم منذ اليوم الذي فُجِعنا فيه باستشهاد سمير قصير. وكما يُفيد تقرير لمنظمة الأمم المتحدة «لا تشمل هذه الأرقام العدد الكبير من الصحافيّين الذين يتعرّضون يومياً لاعتداءات غير مُميتة، بما في ذلك التعذيب، وحالات الاختفاء القسري، والاعتقالات الاعتباطية، والترهيب والتحرّش في أوقات النزاع والسلم على حدّ سواء. وإضافة إلى ذلك، تواجِه النساء الصحافيات مخاطر محدّدة وتشمل أيضاً الاعتداءات الجنسية».

غالبية هذه الجرائم لم تَجِد طريقها إلى إدانة المرتكِب ومعاقبته. هذا الإفلات من العقاب يُشجِّع مُرتكِبي الجرائم، ونتيجته آثار رهيبة على المجتمع كَكُلّ، بما في ذلك الصحافيون أنفسهم. الإفلات من العقاب يغذّي حلقة مُفرغة، إذ يتشجّع مُرتكِبو الجرائم ضد الصحافيّين عندما يرون الآخرين يفلتون من العقاب. وبقاء الاعتداءات المرتكَبة ضدّ الصحافيّين من دون عقاب إنّما يُوجِّه رسالة سلبية للغاية مفادُها أنّ نقل «الحقيقة المُربِكة» أو «الآراء غير المرغوب فيها» من شأنه أن يضع الأشخاص العاديّين في ورطة. كما يقول تقرير «الأمم المتحدة» بخصوص إقرار هذا اليوم العالمي «يفقد المجتمع الثقة بنظامه القضائي الذي يتعيّن أن يحميَ الجميع من الاعتداءات التي تطال حقوقهم. ومرتكبو الجرائم ضد الصحافيّين يتشجّعون بالتالي عندما يُدركون أنّهم قادرون على مهاجمة أهدافهم من دون أن يُضطروا إلى المثول أمام العدالة أبداً».

لقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار في جلستها الثامنة والستين عام 2013، الذي أُعلن بمقتضاه يوم 2 تشرين الثاني ليكون «اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكَبة بحق الصحافيّين». يحثّ هذا القرار الدول الأعضاء على اتخاذ تدابير محدّدة لإنهاء الإفلات من العقاب. وقد تمّ اختيار هذا التاريخ في ذكرى اغتيال الصحافيَّين الفرنسيَّين في «إذاعة فرنسا الدولية» غيسلان ديبون وكلود فيرلون في مالي في الثاني من تشرين الثاني عام 2013.

بَيْدَ أن إقرار هذا اليوم لوحده، لم يوقِف القتل.. لم يوقِف اضطهاد الصحافيّين.. ولم يوقِف، وهذا أخطر، تجهيل الفاعل، تهوين الجرائم، تحويلَها إلى أمور عادية، غير أساسية، يُسلَّط عليها الضوء حين وقوعها، ويسود الهرج والمرج، وتنتشر الشائعات، وتُناقَش الاحتمالات، ثم يتوارى الملف في النسيان، بمجرّد حصول أحداث أخرى تجتذبُ الاهتمام. كما أن غياب العقاب أصبح يؤثّر على الكثير من الصحافيّين، فتتوسّع رقابتهم الذاتية، ويكفّون عن متابعة قضايا حسّاسة، طالما أن الديكتاتوريات والمافيات لهم بالمرصاد، ودماؤهم تُبكى يوماً وتُنتسى. في هذا اليوم العالمي، استثارة الضمير الأخلاقي واجبة، لكنّ الأهمّ، إقرار تشريع قضائي على مستوى كل بلد، يتعلّق بمكافحة الجرائم ضد الصحافيّين وتوسيع العقاب على هذه الجرائم، وبالسرعة القضائية المطلوبة، لأن العدالة المتأخّرة هي عدالة ناقصة، ولأن الخطر، خطر الإفلات من العقاب، يزداد، وتزداد معه الجرائم ضد الصحافيّين والإعلاميّين، ونزداد ابتعاداً عن زمنٍ بدت فيه الأمور أقرب إلى الانتشار المتزايد للديموقراطية والحرّية عبر العالم. فليتّحِد الصحافيّون والإعلاميّون على اختلاف مشاربهم واهتماماتهم أمام هذه القضية الجوهرية، قضية حرّيتهم وحياتهم، قضية وجودهم، وحده اتّحادهم الحيوي على هذا الأساس، من بعد تكريس قرار الأمم المتحدة في التشريعات القضائية الوطنية لكل بلد، كفيل بأن يوقف هذا المسلسل الكارثي الجهنّمي، مسلسل التنكيل بالحرّية والأحرار، مسلسل «التشبيح» المتمادي، والذي ننتظر فصله الأخير.. يوماً ما.