مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

مهنّا عن "Mamnou3": مشكلتنا مع "مؤسّسة الرقابة" كمفهوم وليس مع "الأمن العام"

المصدر Now Lebanon
الجمعة , ٠٣ آب ٢٠١٢

"ممنوع" Mamnou3 مسلسل كوميدي لبناني من ١٠حلقات (مدّة كلّ حلقة ٧ دقائق) تُبث تباعًا على الإنترنت، وتنقل الحياة اليوميّة أو ما  يجري في غياهب مديريّة الرقابة. وقبل المتابعة (...)، دعونا نتوقف عند لازمة ضروريّة أصبحت مألوفة: "جميع الشخصيّات في هذا الفيلم هي خياليّة، وأي تشابه في الوظائف أو الأفعال هي محض مصادفة ولم تكن أبدًا مقصودة"... فالمقصود من هذا العمل الفكاهي هو الإشارة بالإصبع -لا إلى جهاز المراقبة وموظّفيه- بل إلى عبثيّة القوانين البالية إلى حدّ السخافة والتي ترعى اتّخاذ القرارات (ما هو ممنوع وما يجب أن يُحذف، إلخ). إنّها محاولة تتوسّل السخرية، الفكاهة والهزلي لزيادة الوعي عند المواطن، الذي عبر هذه الطريقة المبتكرة، سيُصبح أكثر نفاذًا وحساسيّة من الآن وصاعدًا ليعي ما يعوق حريّته وما يقمع حقوقه

حلقات تأخذه برحلة ليتعرّف عن كثب على آليّات الرقابة في لبنان، لكن هذه المرّة ليس هناك من عظات ومحاضرات وطاولات مستديرة وورش عمل.. كما أنّ أحدًا لن يطلب إليه توقيع العرائض ولا أن يشارك في التظاهرات والإعتصامات، وليس هناك، تبعًا لذلك، مشاريع قوانين تُرفع إلى المجلس النيابي.. ولا من يحزنون. المطلوب منه فقط بأن يضحك ملء رئتيه.. فمن يدري، لربّما يومًا ما!

عن كل ما سبق، كان للصفحة الثقافية على موقع "NOW Lebanon" هذا اللقاء مع السيّد أيمن مهنا المدير التنفيذي لمؤسّسة سمير قصير -سكايز- مركز الدفاع عن الحريات الإعلاميّة والثقافيّة، التي أنتجَتْ العمل بدعم من الإتحاد الأوروبي. والسيّد نديم لحود صاحب الفكرة والمنتج التنفيذي لفيلم "Mamnou3". (تنشر المقابلة على جزئين).

الجزء الأوّل: مقابلة أيمن مهنّا

ماهيّة مشاركة "سكايز" بمشروع "Mamnou3" (ممنوع) أو لماذا كان دخولكم على هذا الخطّ؟

"
سكايز" على خط المشروع منذ البدايات. الفكرة وُلدَتْ خلال مؤتمر نظّمته "سكايز" في شهر كانون الأوّل من العام ٢٠١١ حول الحريّات الثقافيّة في الشرق الأوسط والدول العربيّة وخلاله قدّمت عرضًا عن الأفلام التي مُنعت في لبنان والأسباب التي كانت وراء قرار المنع (ومعظمها كانت مضحكة). هذا الوجه وَلَّد الفكرة عند نديم لحّود، فاقترح سلسلة "ممنوع" التي وافقنا عليها مباشرة مؤكّدين دعمنا الكامل له. أسباب عدّة حتّمت الموافقة، أتوقّف عند أهمّها:

هذا الموضوع يعكس إيماننا بأنّ الرقابة في لبنان كما هي عليه اليوم غير عصريّة.. لا بلّ يجب ألاّ تكون قائمة

أحببنا كذلك أن نتناول موضوع الرقابة بشكل غير تقليدي، فاليوم هناك مؤسّسات كثيرة تقدّم مشاريع قوانين ضدّ الرقابة وتسعى إلى تغيير قوانين فرض الرقابة ونحن ندعمها بكل تأكيد. إلا أنّنا لم نرغب في أن نتناول مسألة الرقابة عبر تكرار تجارب قائمة، إنّما أحببنا استعمال آليّة مبتكرة في الضغط والمناصرة تتوسّل الفكاهة. نحن أردنا إيصال رسالة مناهَضَة الرقابة إلى أطراف لم تصل إليها الطرق التقليديّة (التثقيفيّة) التي تستعملها عادة الجمعيّات في طرحها لهذا الموضوع.

وللتوضيح، مشكلتنا ليست مع قرار رقابي معيّن منع فيلمًا أو قطع قسمًا منه.. مشكلتنا هي مع "مؤسّسة الرقابة" ولا نعني مؤسّسة الأمن العام طبعًا إنّما مع ذهنيّة مؤسّسة الرقابة كمفهوم. ولكلّ هذه الأسباب دعمنا المشروع منذ البداية والتزمنا رعايته.

عن موقف الإتّحاد الأوروبي ودعمه للمشروع؟

لدينا تمويلاً من الإتّحاد الأوروبي على مدى ٣ سنوات يتضمّن استخدام الفيلم الوثائقي (كوسيلة) من أجل دعم القِيَم التي نعمل عليها في "سكايز". ضمن هذه الموازنة المرصودة، تقدّمنا من الإتّحاد الأوروبي بطلب استعمال الرصيد المتبقّي لإنتاج مشروع "ممنوع"، لإنتاج هذه الشرائط المصوّرة -نوع من "موكومنتري" (Mockumentary) بدلاً من "دوكومنتري" (Documentary)- وقد أتتنا الموافقة كما التشجيع الكبير من قبلهم

وفي هذا الإطار ولا للحصر، رأينا أنّ سفيرة الإتّحاد الأوروبي في لبنان أنجيلينا إيخوهرست، بعد إطلاقنا لـ"ممنوع"، أرسلت عبر حسابها في موقع "تويتر" عددًا من "التغريدات"  Tweetsالتي تضمّنت دعاية لـ"ممنوع" وتهنئة لـ"سكايز" لدعمها له.

كيف كانت أصداء المشروع بشكل عام وإطلاق "الشريط"؟

بظرف ٥ أيّام كان هناك ما يزيد على خمسة آلاف شخص قد شاهدوا مقطع الإطلاق الـ"Trailer" على موقع "يوتيوب". واليوم تخطّينا الـ١٨ ألف مشاهد لـ"ممنوع" على الموقع.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ مئات الأشخاص كتبوا عن "ممنوع" وقد نال تغطية صحافيّة مميّزة، ولكن للأسف كان أغلبها غير ناطق بلغّة الضاد (العربية). فمثلاً صحيفة "نيويورك تايمز" أفردَتْ نصف صفحة عن "ممنوع" وهي من المرّات القليلة التي تُقدِم فيها هذه الصحيفة على تغطية مماثلة لمبادرة من المجتمع المدني. الصحف البريطانيّة كذلك، ناهيك عن المجلاّت كـ"إيكزيكوتيف" (Executive) و"لو كوميرس دو لوفان" (Le Commerce du Levant).. وطبعًا المواقع الإلكترونيّة (مثلاً ٣ مقالات على الصفحة الإنجليزية لموقع NOW Lebanon). يُضاف إلى ذلك أنّ إحدى أكبر المؤسّسات الناشطة ضدّ الرقابة في بريطانيا "إنيدكس أون سينسيرشيب" (Index on Censorship) كتبَتْ عن "ممنوع"، وكذلك فعل (Blog) السياسي الشهير "ذو مانتيل" (The Mental). 

الصحافة اللّبنانيّة العربيّة للأسف لم تؤمّن التغطية اللازمة؛ إنّما في المقابل كانت تغطية شاشات التلفزة ملفتة

هل استعمالكم للإنترنت لإطلاق الشريط نوع من "الهروب" من الرقابة؟

لا إنكار، نحن استعملنا "الإنترنت" لأنّ الشبكة العنكبوتيّة غير خاضعة للرقابة.. ولكن ليس بعقليّة الهروب أو التحايل. نحن لسنا بوارد المواجهة مع الأشخاص العاملين في الرقابة، إنّما مع "فكرة الرقابة". لهذا السبب، كان القرار بتوسّل أيّ طريقة تمنع هذه الرقابة من "إفشالنا" أو "إجهاض" فكرة "Mamnou3". 

في السياق عينه، نحن ملتزمون في عدم التجريح أو القدح أو الذمّ أو أيّ شيء سلبي آخر يعاقب عليه القانون لربما قد ورد في مضمون "ممنوع". فنحن ملتزمون في الأخلاقيّات

على كلّ حال، إنّ أيّ تحرّك اليوم ضدّ شريط "ممنوع" -سواء كان من الأمن العام أو من أيّ جهة أخرى- سيعود بالفائدة عليه حتمًا بأن يشكّل دعاية أكبر له، وهذا يصبّ بالطبع في مصلحتنا

استخدامنا "للإنترنت" خطوة ذكية مكّنتنا من إيصال رسالتنا، وبالتالي فرضت معادلة أنّ أي ّعمل سلبي ضدّنا سيساعدنا أكثر من أن يضرّنا. هكذا أفكار يجب أن يتبنّاها أي تحرّك للمجتمع المدني بشكل عام، إذ إنّ الآليّات التقليديّة في العمل كــ"ورش العمل" والمؤتمرات الصحافية، إلخ، لم تعد تحظى بالتغطية الإعلامية اللازمة ولا بحشرية أو متابعة الجمهور. بمعنى آخر، إنّها دعوة للمجتمع المدني ليبدأ في التفكير بشكل مبتكر وليتوسّل هكذا تجارب كونها توصل الرسالة بشكل فعّال ممّا يضاعف الصعوبة أمام القوى التقليديّة من السيطرة عليها أو خنقها

نحن كـ"سكايز"، وهذا من ضمن أهدافنا وفي علّة وجودنا؛ نضع كل تجربتنا وخبرتنا.. وعلى استعداد دائم لتقديم المساعدة لأيّ جمعيّة في المجتمع المدني تعمل من أجل الحريّات وحقوق الإنسان، لتزويدها بالأفكار ولإقتراح الأطر غير التقليديّة التي يمكن أن تساعدها في إيصال رسالتها

ماذا عن موقف الرقابة من "ممنوع"؟

الرقابة لتاريخه لم تتّصل بـ"سكايز". في المقابل، علمنا بحصول اتّصالات مع بعض الصحف الغربيّة كالـ"إيكزيكوتيف" والـ"نيويورك تايمز"... أعربوا فيها عن استيائهم من "Mamnou3"، معتبرين أنّ ما يرد فيه عبارة "عن أضاليل وغير متوافق مع الواقع". وهنا أنتهز الفرصة وعبر موقعكم، وعبر هذه المقابلة، لكي أوجّه رسالة إلى مديرية الرقابة في الأمن العام، بشخص رئيسها الجنرال منير عقيقي، وإلى قسم "الرقابة" بأكمله للتأكيد لهم بأنّ هذا العمل ليس موجّهًا ضدّهم بتاتًا ونحن نعرف أنّهم ملتزمون بالقانون اللبناني وجلّ ما يفعلوه هو تطبيقه. وفعلاً هم يعملون بأكبر طريقة منفتحة متاحة لهم ونحن نقدّر هذا الأمر وعلى علم به. ومن هنا كان الحرص أيضًا من قبلنا لتضمين "جينيريك" المسلسل إشارة واضحة بأنّه "خيالي"؛ وبأنه لا يتوافق أو ينطبق مع الواقع.. فهذا العمل هو محض "كاريكاتوري"، يضخّم هذا الواقع، كما بعض المواقف الغريبة أو العبثيّة بغية الإضاءة على خفاياها. أكرّر، الإنتقاد ليس موجّهًا البتّة للمكتب (لمديرية الرقابة)، إنّما لفكرة الرقابة.. مع  كامل الإحترام للأشخاص العاملين فيه. المشكلة ليست معهم أبدًا إنّما مع القانون الذي يفرض عليهم تنفيذ هذا النوع من العمل، كما مع القوى السياسيّة والطائفيّة اللبنانيّة التي أصبحت بدورها تمارس ضغطًا معنويًا، وتدفع باتّجاه التعنّت والتزمّت في تطبيق الرقابة

... 
إذا ما أردنا توصيف واقعنا اليوم في لبنان على صعيد الرقابة؟

المشكلة أنّه أصبح هناك "طلب" على الرقابة في لبنان! مستوى الشحن الطائفي والمذهبي بلغ حدًّا إنخفض معه معدّل التسامح –Taux de tolérance- ولم تعد الناس معه تتقبّل أيّ صورة أو مسرحيّة أو أغنية أو فيلم أو غيره، لا تتوافق مع نظرتهم هم للواقع السياسي أو الثقافي. هذا واقع سلبي جداً لا بلّ كارثي على مستوى الفكر، محاولة لتصحيره أو تفقيره. وبذلك تتحمّل المسؤولية القوى السياسيّة في البلد كما بُنيته الطائفيّة، فهذه السياسة قائمة بكاملها على إثارة الغرائز وعلى معادلة "تخويف" كلّ فريق لمعسكره، عبر الإدّعاء بأنّ جماعته مستهدفة من الفئات الأخرى وبالتالي يجب القيام بكل شيء لبناء صومعة أو جدار منيع للدفاع عن الذات (دعوة لتقوقع والإنغلاق على الذات). هذه عقليّة مريضة موجودة عند القوى السياسيّة التقليديّة في لبنان ولا تؤثّر فقط، مع الأسف، على خيار الناس الإنتخابي.. إنّما أيضًا على زيجاتهم وأغنياتهم وأكلهم ونظرتهم للثقافة.. وهذا منحدر خطير للبنان من الضروري أن يتصدّى له المجتمع المدني؛ وهنا دعوة إلى القوى السياسيّة التي تعتبر نفسها تنويريّة وتحديثيّة لأن تخرج من رتابة عملها السياسي التقليدي وأن تبدأ في مواجهة هذا الأمر بعمقه نظرًا للخطر الثقافي الذي يتهدّد البلد.

مشاركة الخبر