الرجاء إدخال البريد الالكتروني للحصول على رمز تأكيد التنزيل.
أدخل رمز التأكيد
يرجى ملء الحقول أدناه، ومشاركتنا رابط المقال و/أو تحميله:
يرجى إستعمال الملف ك pdf, doc, docx
مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

18 عاماً من القتل… سمير قصيّ على الموت

المصدر نقد
الجمعة , ٠٢ حزيران ٢٠٢٣

في الثاني من حزيران من العام 2005 فقد لبنان قلمه الدافق بوجه الاستبداد السّياسيّ، وفقد معه رمزاً ثوريّاً حقّق المستحيل في عالم الصحافة اللبنانيّة.


اليوم وبعد ثمانية عشرة سنة، لا زال سمير قصير، حكايةً لن تنتسى، وحادثةً تتكرّر في أذهان من شهدوه آنذاك، ومن لم يشهده أيضاً من اللبنانيين الجُدد، التّواقون للحريّة والحياة.


هو الكاتب والصحفيّ والفيلسوف، خرّيج باريس الفرنسيّة، بالعلم والثقافة والرّقيّ، هو الملمّ بالفلسفة والفلسفة السياسيّة، هو ابن بيروت، وقلب بيروت، ابن الأشرفيّة وكلّ لبنان.


من أبٍ لبناني، فلسطينيّ وأمٍّ لبنانيّة، سوريّة، خرج سمير للحياة، حاملاً قضايا عربيّة عصيّةً وثقيلة، خلقت معه، وكبرت معه، وأتعبته بكتاباته المتعددة ومقالاته الموجعة، لكلّ من له يدٌ في خراب الوحدة العربيّة.


دافع عن استقلال لبنان ووحدته، وعن القضيّة الفلسطينيّة، وكذلك الأمر طال بفيض حبره النّظام السّوريّ وممارساته في لبنان وفي الداخل السّوري.


غادر منزله سمير حاملاً في قلبه إيماناً عظيماً بالحريّة، وفي جيبه حفنة كرامة، جلس على مقعد سيارته، وسرعان ما هزّت بيروت للمرّةِ الثّانية، بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام ذاته.


استشهد سمير بعهد نجيب ميقاتي وإيميل لحود، الرّافضين دائماً ببياناتهم الصحفيّة لـ”زعزعة الأمن القومي” …


وحتّى اليوم، لا زالت القضيّة عالقة أمام القضائين اللبنانيّ والفرنسي، ليس لشيءٍ، إنما لكثرة المستفيدين من مقتل سمير قصير، هذا المرعب، الذي لم يخشى نظاماً، ولا جهازاً استخباراتيّ، ولا دولةً بحالها.


كان مفتاح النّهار، وسيّد الكلمةِ فيها، الصحفيّ الفذّ، المرعب القلم، الحرّ الكلمة، الثائر الموقف والوجود. من كان يصدّق أنّ لسمير تأثيره على أنظمة دولٍ بحالها، ورأي عامٍ عربيّ ينتظر كتاباته ليوجه كما يريد سمير، سمير الأكثر وضوحاً والأشدّ حزماً. كان يساريّاً، يحمل العدالة في قلبه أينما حلّ ويقاتل لأجلها.


“ليس الإحباط قدراً” هكذا قال قصير، وهذا ما أثبته ولا نزال نحاول إثباته حتّى اليوم.


في مقالاته التي جمعها في كتاب “عسكر على مين” “فكفك” كاتبنا آلية القمع والتسطيح، حتى أدنى دقائقها في دهاليز وزواريب وزوايا العسكريتارية التي استعاضت عن الحرب ضد العدو (حيث عزت الانتصارات) بالحروب الصغيرة، حروب “المخابراتية” التي ذاق هو بعض مرّها، وكادت تكلفه الأكثر، لولا وجود حصانة مهيبة تحمي الحريات بمصداقية تاريخيتها.


ويبقى السؤال ماذا لو عاصر سمير قصير ثورة تشرين، ماذا كان ليكتب؟ هل كان ليصدر جزءًا آخر من عسكر على مين؟


كان لسمير قصير ومقالاته أثراً كبيراً، شكّلت مقالاته وافتتاحياته في جريدة “النهار” في نهاية التسعينات ومطلع الألفية الثانية أبرز ما كُتب في مواجهة الهيمنة السورية على لبنان وحكم الرئيس إميل لحود وأجهزته الأمنية. وقد دفع الأمر اللواء جميل السيد، مدير عام الأمن العام يومها والرجل الاول في التركيبة الأمنية، الى تهديده هاتفياً ثم إرسال سيارات تطارده وصولاً الى مصادرة جواز سفره في مطار بيروت الدولي في نيسان عام 2001 (قبل إعادته إليه عقب حملة استنكارات سياسية وثقافية)…


ومن هنا تضيع البوصلة، فالمستفيدون كُثُر، والشّهيد واحد.


كما كان لقصير نشاطه السياسيّ إلى جانب الصحفي، وهذا ما جعله قويّاً ليس فقط في لبنان إنما في المحيط العربي، فقد شارك سمير قصير إبتداء من العام 2003 في تأسيس “حركة اليسار الديمقراطي”، وانتُخب في مؤتمرها التأسيسي في تشرين الأول-أكتوبر 2004 عضواً في المكتب التنفيذي. وساهمت كتاباته في توجيه أدبيات الحركة السياسية ومواقفها لجهة الدعوة الى استقلال لبنان عن هيمنة البعث السوري، والى التغيير السلمي والعلمنة والعدالة الاجتماعية وبناء دولة الحق والقانون.


وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط عام 2005، شارك سمير بفاعلية في إطلاق الانتفاضة الشعبية في وجه الهيمنة المخابراتية السورية على لبنان، وكان له الفضل الأبرز في تسميتها بـ”انتفاضة الاستقلال” تأكيداً على طابعها الوطني الاستقلالي، وربطاً لها بالانتفاضة الفلسطينية في وجه الاحتلال الاسرائيلي عام 1987. وصارت مقالاته في “النهار” صوت الانتفاضة الأعلى والأنقى، وزاد عليها حضوره الدائم في ساحة الشهداء في بيروت يناقش مع السياسيين والإعلاميين والطلاب المتظاهرين أفكاراً واقتراحات لتطوير الأداء والانتصار في معركة استعادة السيادة والحرية.


في ذكرى استشهاده، نستذكر كلّ الأحرار ونجدد العهد والوعد، بأننا باقين، هنا، لأجلهم ولأجلنا، ولأجل الشّعب اللبنانيّ، نكتب الحقيقة كاملةً، بلا خوفٍ ولا تردد، بأيادٍ ملؤها الحياة، وبأقلامٍ تفيض حريّة.

عاشت الصحافة الحرّة، سمير حيّ في أقلامنا كما في قلوب من عرفوه، عاش الوطن والعدالة.

مشاركة الخبر