مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

سمير الأشد حضورا...

الأربعاء , ٠٣ حزيران ٢٠٢٠

عندما حملت مخطوط كتابي، ونزلت به الى مبنى جريدة النهار القديم، في شارع الحمرا، التقيته للمرة الاولى. مرة واحدة التقيته، منذ سنوات طويلة، ومرات اخرى بلا عدد، منذ ذلك اللقاء الاول، بقيَ يرافقني، كلّ حين..

مرة أولى، كانت كافية لأن يزرع سمير قصير، حضوره المرهف في داخلي، وتساؤلات قلماً تجد لها أجوبة صريحة.

مرة واحدة، كانت كافية لأن تنقله، من مكانه، إلى أمكنة مجهولة أخرى. وبقينا نلعق الوجع ونسأل: "هل وصل القاتل الى غايته؟".

حتى هو نفسه يجهل الاجابة. فالشعارات التي تترافق مع ما بعد كل جريمة وغياب وموت، هي شعارات زائفة، فارغة من أيّ معنى.

"في القلب دائماً"، "غادرتنا جسداً وبقيت روحاً"، "لن ننساك"، "سنواصل الطريق"، والكثير من الجُمل العربية المركبّة، للغة تحمل في طياتها، كمّاً هائلاً من التأويلات. لكن سمير قصير قد رحل فعلاً، ولم اجد، بعد سنوات على هذا الغياب القسريّ والبشع، مع الكثيرين غيري بالطبع، من سلك نفس الطريق او حتى استطاع ان يملأ الفراغ الذي خلّفه على الساحة الثقافية. لا احد يشبهه. لا احد يقدر على ان يداعب رصاصة الموت بقلمه وجرأته كما كان يفعل. هو الجريء والحر حتى حدود الانفجار..

هل انتصر القاتل؟

 

بالمفهوم العاطفي، لم ينتصر، حتى بعد إتمامه لجريمته ونجاحها.. ولكنه، واقعياً، قد ادّى المهمة، وأسكت سمير، والأهم، أن أحداً لم يستطع، أن يدويّ بقلمه، الضمائر.

انتصر الى حين؟ ربما، ولكن، ما الفائدة التي نترقبها بصمتٍ وألم، من محاكمته او سجنه او حتى إعدامه؟ هل تخفت بذلك لوعة الأحبة والأصدقاء؟ يخفت الوجع او يستكين؟ كل هذه التفاصيل، لن تبدل من الواقع. سمير رحل، قبل ان يرى نتيجة هذا الربيع العربي الفالت من كل الجهات، وقبل ان يتابع تشكيل لوحة المصائر التي تنتظر مرحلة ما بعد التغيير. ربيعنا الناقص. رحل قبل ان يرى الربيع الذي سعى الى ايجاده وكان من اوائل الذين أسسوا له وتوقّع حدوثه. رحل كما العادة، من دون أن يودع أحداً.

مشاركة الخبر