مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

"الصحافيون المستقلون يدفعون أثماناً باهظة"... ماذا يقول الفائزون بجائزة سمير قصير لحرية الصحافة؟

المصدر رصيف٢٢
السبت , ٠٤ حزيران ٢٠٢٢

كما كل عام، أقيم حفل تسليم جائزة سمير قصير لحرية الصحافة، في ذكرى اغتيال الصحافي اللبناني سمير قصير في الثاني من حزيران/ يونيو 2005، في بيروت. وتحظى هذه الجائزة التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في عام 2006، وتنفّذها مؤسسة سمير قصير، بتقدير واسع النطاق.

تكافئ الجائزة صحافيين تميّزوا بفضل جودة عملهم والتزامهم بحقوق الإنسان والديمقراطية، وفي دورتها السابعة عشرة، هذه السنة، شارك 261 صحافياً من الجزائر، والبحرين، ومصر، والعراق، والأردن، ولبنان، وليبيا، والمغرب، وفلسطين، وسوريا، وتونس، واليمن، وتنافس 96 مرشّحاً عن فئة مقال الرأي، و116 عن فئة التحقيق الاستقصائي، و49 عن فئة التقرير الإخباري السمعي البصري.

وتولّت لجنة تحكيم مستقلة مؤلّفة من سبعة اختصاصيين في شؤون الإعلام، وباحثين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، من جنسيات عربية وأوروبية، اختيار الفائزين. وينال الفائز في كلّ من الفئات الثلاث جائزة قدرها عشرة آلاف يورو. ثلاثة صحافيين فازوا هذا العام، وهم:

ـ عزت القمحاوي (مواليد 1961) من مصر، عن فئة مقال الرأي، وقد نشر مقاله الذي حمل عنوان "عمارة الريبة: هوس البنايات الكبرى والشوارع الواسعة" في موقع "المنصة".

ـ صفاء خلف (مواليد 1082) من العراق، عن فئة التحقيق الاستقصائي، وقد نشر تحقيقه الذي حمل عنوان "أزمة مياه العراق: تغيّرات المناخ قد تؤدي الى هجرة ونزاعات أهلية" في موقع "العالم الجديد".

ـ إيمان عادل (مواليد 1986) من مصر، عن فئة التقرير الإخباري السمعي البصري، وقد نشرت تقريرها بعنوان "رانيا رشوان التي خلعت حجابها في قرية الجهاديين" في موقع "درج ميديا".

فماذا يقول الفائزون؟

صفاء خلف:

"يقع العراق في قلب العنف المناخي والانهيار البيئي، منذ سنوات. ويتزامن ذلك مع أزمة مياه قاتلة تعصف بوحدة البلاد وتهدد استقرار الموائل الاجتماعية والسلم الأهلي وسلاسل الإنتاج الغذائي مع اتساع مساحة التصحر، والاستخراج غير الآمن وغير النظيف للغاز والبترول، ونقص الموارد، كما يأتي في ظل زيادة سُكانية تُعَدّ الأسرع في العالم والمنطقة، بمعدل مليون و250 ألف ولادة سنوياً، ما يشكل ضغطاً غير متوقع على الموارد وتنافساً عنفياً على حيازة الأراضي والمناطق الصالحة للاستقرار والزراعة.

كل ذلك خلق تهديداً أضيف إلى ظاهرة التنازع الاجتماعي المسلح في العراق الذي، مع نضوب موارده المائية بحلول عام 2040 بسبب السياسات المائية العدائية المتعمدة من قبل إيران وتركيا، وتحوّل بيئة بلاد الرافدين إلى منطقة سامة بفعل الارتفاع المفرط في درجات الحرارة وهبوب العواصف الترابية والرملية المُدمرة.

وجاء مشروع التحقيق الاستقصائي العميق الذي أنتجته على مدى شهور، في صيف 2021، وهو جزء من مشروع شخصي مستمر بدأ في صيف عام 2017، ليتتبع مسببات الظاهرة وآثارها من جوانب ومستويات مختلفة، بدعم وتمويل أساسي من وزارة الخارجية الألمانية عبر مؤسسة "كانديد".

تتبَّع التحقيق أزمة نقص المياه في العراق وأزمة الاختلال البيئي المرتبطة بعوامل التغير المناخي وسوء استخدام الموارد وعطالة الإجراءات الحكومية فضلاً عن استخدام المياه كورقة عدائية من قبل دول الجوار ضد العراق بالتزامن مع توظيف المياه كواحدة من أدوات الصراع المسلح سواء من قبل تنظيم داعش أو الجماعات الشيعية المسلحة.

الفوز بجائزة سمير قصير لحرية الصحافة له معانٍ عدة... هو اعتراف بقوة الظاهرة المناخية ومدى تأثيراتها المدمر الذي سيتعدى آثار الصراعات المسلحة والتنافس السياسي والأزمات الاقتصادية...

معنوياً، اعتبرها تكريماً لجهد سنوات مريرة من تتبع الظاهرة المناخية عبر مدن العراق ثم بلدان الشرق الأوسط، لفهم الكارثة ميدانياً، كما اعتبرها حافزاً إضافياً هاماً لاستكمال المشروع ذاته عبر تحقيقات جديدة أعمل عليها حالياً، وكتاب شامل عن المحنة البيئية التي يعيشها العراق بسبب الاحترار العالمي وقطع المياه من قبل تركيا وإيران ونقص الموارد والمتغيرات المستقبلية الحتمية التي سوف تعصف بالاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي. إنها رد اعتبار للكتابة العلمية المتأنية التي تستثمر أدوات البحث الاجتماعي بلغة أدبية تستهدف جمهوراً متنوعاً.

الصحافيون المستقلون يدفعون أثماناً باهظة. والجوائز لا تعني أنها احتفاءات شكلية سعياً وراء الشهرة أو المجد الشخصي. الفكرة أعمق. يتورط الصحافيون في ملفات وتحقيقات وأزمات دون حماية أو غطاء، وهو ما ينسحب على عائلاتهم وحيواتهم الشخصية. ينفقون أشهراً وأسابيع وربما سنوات لكتابة تحقيق رصين، فيما لا يحصلون على مقابل مادي يستحقونه، وغالباً ما يعملون تحت ظروف خانقة ومريرة من نقص المعدات وأدوات الحماية مع أجور زهيدة لا ترقى إلى أهمية المنتَج وحجم المخاطر. لذا الجوائز ليست تكريماً بل هي تعويض معنوي ونفسي عن الجهد اللامرئي والضغوط النفسية والخسارات الاجتماعية والمادية التي يتكبدها الصحافي بكتابته تحقيقاً يُقرأ بغضون دقائق. كل معلومة تكلف جهداً وضغطاً وعصفاً نفسياً هائلاً لا يتم التعويض عنه. لذا الجائزة هي رد اعتبار لرصانة الكتابة الصحافية، واعتراف بالجهد المضني، وإضاءة على ظاهرة وموضوع".

إيمان عادل:

"يتناول تقريري الفائز رحلة فتاة ريفية مصرية قررت نزع الحجاب في قرية كانت في التسعينيات معقلاً لتنظيم "الشوقيين" الجهادي. ورغم تصفية الرئيس المخلوع حسني مبارك لقادة هذا التنظيم، لا زالت الأفكار المتشددة تحكم هذه القرية.

التقرير يبرز قوة رانيا رشوان وسط معركة قاسية بعد خلعها الحجاب، فقد تعرّضت للسب والضرب والحبس داخل أحد بيوت القرية من جانب جيرانها والتحرش الجسدي بها ومحاصرتها، ورغم كل هذا أصرّت على البقاء في القرية رغم كافة المساومات لمحاولة طردها وإخوتها من القرية.

بدأت رانيا بعد التقرير برفع قضية ضد المعتدين بمساعدة المحامي الحقوقي ياسر سعد ومنظمة المرأة الجديدة وصدر حكم بالسجن وغرامة مالية طائلة ضد المعتدين.

طبعاً، أسعدني الفوز بجائزة سمير قصير لحرية الصحافة لأن هذه الجائزة تحديداً تحمل اسم سمير قصير وهذا شرف بالغ. أيضاً أعضاء لجنة تحكيم الجائزة جميعهم من أصحاب الخبرة الكبيرة والنزاهة وهو ما دعمني معنوياً في ظل التشكيك الدائم في أن النساء الصحافيات لسن صاحبات مشاريع صحافية واثقة. بعد الفوز، زاد إيماني بأنني قادرة على إيصال أصوات ضائعة وسط الحالة المصرية المضطربة والمجنونة التي تهتم بأخبار الشائعات بدلاً من القضايا التي تعنى بحقوق الإنسان المقموع.

فوزي بالجائزة ليس فوزاً لشخصي بل فوز لرانيا وشجاعتها ولشقيقها الذي فقد حياته بسبب التنمر وفوز للبنات الريفيات اللواتي ينشأن على كافة أشكال كتم الصوت، لكن في النهاية تعلو أصواتهن لتصدم الجميع، ويضربن مثالاً حياً على الشجاعة والإرادة وحرية الاختيار.

لن أتوقف أبداً عن متابعة أصوات النساء في مصر لأنهن يمتلكن تجارب فريدة من نوعها وقوية ولا يحتجن سوى إلى الدعم الإعلامي والحقوقي والقانوني ليغيّرن شكل مجتمعنا الظالم.

أشعر بالامتنان لأن رحلتي الشخصية التي تشبه بنسبة كبيرة قصة رانيا ساعدت في إيصال أصوات بنات بيئتي الريفية وأتمنى أن تدعم تجربتي فتيات أخريات من قريتي في الصعيد وفتيات أخريات من مصر بشكل عام وأن تتسع صدور الأهل لدعم بناتهن لأن النساء منذ بداية التاريخ قادرات على صناعة الحضارة وقلب الموازين.

تحتاج مصر إلى مناخ توعية وبيئات مناصرة للمرأة وأماكن لدعم النساء المعنفات وسياق قانوني عادل. أظن أننا في منتصف الطريق لكننا قادرات على تغيير الواقع ودعم أنفسنا وغيرنا حتى النهاية".

عزت القمحاوي:

"يتناول مقالي العمارة في علاقتها بالسياسة والمجتمع، فهي كالإعلام والتعليم طرف في الصراع بين الحرية والاستبداد، بين النزاهة والرشاد الاجتماعي والفساد الذي يسم اقتصاديات السمسرة. يتناول المقال تخطيط المدن كمرآة لشكل السياسة والاقتصاد وانعكاس العمران على حياة المجتمع وتناغمه. ويستعرض في ما يستعرض ولع الدكتاتور بالبنايات الضخمة كوسيلة لفرض الهيبة، والطرق الواسعة كوسيلة للسيطرة، ابتداءً من تغييرات نابليون بونابرت في باريس إلى اليوم.

كما يتناول المقال الأثر الاجتماعي لمثل تلك التغييرات، وبالقرب منها ظواهر الانغلاق الاجتماعي في تخطيط المدينة، في نموذج تخطيط حي مدينة نصر في القاهرة، إلى ظاهرة التجمعات السكنية (الكمباوند) المحاطة بأسوار عالية وحراس.


كل شعور بالفوز يسبب الغبطة بالتأكيد. والحصول على جائزة سمير قصير تحديداً شرف لكل صحافي، انطلاقاً من سيرة سمير قصير ذاته بكل تميزه وصلابته، مروراً بأداء الجائزة والمؤسسة التي حملت اسمه في دعم قضايا الحرية. لقد شعرت أنني في مكاني تماماً لحظة الفوز.

وبالطبع أعتبر الجائزة دعماً لمسيرتي المهنية على نحو ما، لكنني أعتبرها تقديراً أكثر من كونها دعماً، لأنني أكبر الفائزين سناً، على الأقل في هذه الدورة، حتى أنني محال للتقاعد هذا العام من صحيفتي الرسمية. وهذه بدعة لم نعرفها من قبل، لأن توقف الكاتب واستمراه هو قراره فقط. ومن هنا كان لا بد أن أشكر منصة "المنصة" التي دعتني للكتابة والتي فكرت كذلك في ترشيح المقال. وكان ضرورياً أن أشد على أيدي العاملين في المنصات المصرية المستقلة، لأنها تنقذ ماء وجه المهنة التي لم أشتغل بغيرها يوماً، وأعتز بعملي الصحافي كما أعتز بكتبي ورواياتي.

وكما ذكرت في كلمتي (بعد إعلان فوزي بالجائزة)، فقد سمحت لنفسي أن أعتبرها تقديراً لنهجي في كتابة مقال خارج على التصنيف، يقف على الحدود بين الصحافة والأدب وبين السياسة والثقافة بمعناها الواسع، وقد أثمر هذا النهج كتباً نالت الاستحسان العام، بل والحماسة، وتتعدد طبعاتها، دون أن يجد النقاد طريقة للتعامل معها، وكلها بدأت في شكل مقالات، وكان أول إصداراتي في هذا الشأن "الأيك في المباهج والأحزان" عام 2002، وأحدثها "غرفة المسافرين" عام 2000، مروراً بـ"كتاب الغواية" و"العام من الضفتين" و"ذهب وزجاج".

وسر هذه الكتابة أنني آمنت من البداية بتنوير خفيض الصوت عبر ترسيخ فكرة الاعتزاز بالحواس وبنوعية العيش، وهذا باب ومدخل واسع للحرية، بل وللحكم الرشيد، لأن مَن يعرف كيف يستمتع بالأشياء الصغيرة من الصعب أن يكون فاسداً.

وقد شعرت بأن جهدي هذا صار مرئياً من خلال لجنة تحكيم بالغة القوة والنزاهة. هذا بحد ذاته يؤكد أهمية الجوائز التي يحصل عليها الصحافيون والكتاب في دعم مشاريعهم، بشرط أن تكون الجوائز نزيهة، فمهنة بلا جوائز أفضل من وجود جوائز لا تتحرى الدقة في اختياراتها فتصيب المتميزين بالإحباط، وبذلك تكون عامل هدم لا بناء للمهنة".

صفاء صالح:

زت بجائزة سمير قصير عن فئة التحقيق الاستقصائي في عام 2010، عن تحقيق تحت عنوان "بنات التبغ". ذهبت للعمل في مصنع لإنتاج المعسل لرصد الانتهاكات ضد آلاف الفتيات، والأطفال الذين يعملون في المصنع دون حقوق. ثم وصلت إلى المرحلة النهائية مرتين في عاميْ 2014 و2016، وأتت دفعة أخرى لتكلل مجهود 21 عاماً من الخبرة الصحافية بذلتُه بضمي لفريق التحكيم، عام 2022.

غمرتني سعادة كبيرة عندما فزت بالجائزة لأنني كنت أنافس في الجائزة زملاء من صحف أكثر شهرة وكنت أظن أن الجائزة ربما تكون مثل غيرها في توزيع الجوائز بالكوتة على الجرائد الكبرى فقط ، وشعرت أن عليّ أن أواصل طريقي في الدفاع عن المستضعفين وأن هناك مَن يقدّر في هذا العالم ويدعمني في دعم قضاياهم، وأرى أن الجائزة في وقتنا الحالي اكتسبت أهمية أكبر بحكم الأوضاع الصحافية الظالمة والجائرة على كثير من الصحافيين الشرفاء. تلك الجوائز تساعدهم على الاستمرار وتشجعهم، في ظل قلة التشجيع في صالات الأخبار".

مشاركة الخبر