مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

هل ما زالت الصحافة في الأردن ممكنة؟

المصدر حبر
الثلاثاء , ٠٦ نيسان ٢٠٢١

في الأزمة الراهنة داخل العائلة المالكة في الأردن، التي عبّرت عنها الحكومة بوصفها مخططًا يستهدف أمن البلد ويحاول زعزعة استقراره، ظهرت فجوة واضحة بين تغطية الإعلام المحلي وتغطية الإعلام الأجنبي. فالأول إمّا تجنب التغطية أو التزم بما أصدرته الحكومة رسميًا أو تفوّق عليها في استعراضات الولاء، فيما برزت في الإعلام الأجنبي، والإعلام العربي نقلًا عنه، تسريبات متعددة من مصادر رسمية أو دبلوماسية أو استخباراتية داخل أو خارج الأردن، بقيت مجهّلة بالغالب، لتثير تلك الفجوة أسئلة متكررة في الأردن من قبيل «أين الصحافة المحلية؟». 

وسط مطالبات بأن يقول الإعلام المحلي «شيئًا ما» عمّا يجري، أعادتنا الأزمة إلى نقاش متجدد حول مشاكل الإعلام في الأردن والتضييق عليه من جهة، وحول الأداء الإعلامي الرديء للمتحدثين باسم الدولة من جهة أخرى. ظهرت أولى الأخبار مساء السبت، قبل البيان المقتضب للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية ببضع ساعات، والذي سرعان ما نفى مضمونَه تسريبُ مقاطع فيديو للأمير حمزة، وقبل المؤتمر الصحفي للحكومة بأكثر من عشرين ساعة. التساؤلات التي أثارتها هذه الأخبار والتصريحات المبهمة، دفعت بآلاف الأشخاص إلى عدة «غرف» على تطبيق كلوب هاوس (المحجوب في الأردن منذ نحو أسبوعين والذي لا يمكن دخوله إلا باستخدام الشبكات الوسيطة VPN)، تحاول مناقشة تطوّرات الأحداث في الأردن، بعضها يديره من تصفهم الدولة بـ«المعارضة الخارجية»، وبعضها الآخر يديره نشطاء داخل الأردن، أو صحفيون يعملون في وسائل إعلام عربية. امتدت هذه النقاشات لساعات، وتخللها القليل من المعلومات والشهادات والكثير من التكهنات والتأويلات. وفي الساعة الرابعة من عصر اليوم التالي، جاء المؤتمر الصحفي المنتظر للحكومة، والذي قال فيه نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية أيمن الصفدي الكثيرَ دون أن يقول شيئًا. إذ لم يجب عن أسئلة كثيرة بقيت مفتوحة بعد المؤتمر الصحفي، زاد بعضها غموضًا مع توالي التسريبات والتعليقات، فيما تُرك الناس للوصول لاستنتاجاتهم الخاصة في بعضها الآخر، دون أن يكون مرحّبًا بالتعبير عن هذه الاستنتاجات. 


جاء قرار منع النشر بعد ثلاثة أيام من بدء القضية ليحظر الحديث «بالموضوع المرتبط بالأمير حمزة..  لحين صدور قرار بخلاف ذلك». هذا القرار الذي لم يتكلّف أصحابه حتى عناء إظهاره بمظهر قانوني، يرسم حدودًا وهمية يُتوقع منها أن تساهم ليس في تعطيل التغطية الصحفية فحسب، بل في لجم أي حديث على مواقع التواصل الاجتماعي. الهدف الأول سينجح محليًا إلى حد كبير، مكرسًا أفضلية الإعلام الأجنبي، أما الهدف الثاني فقد أثبتت الأيام الماضية مدى عبثيته.

وكما قيل كثيرًا في معرض تفسير تنامي شعبية أو متابعة الناشطين الأردنيين المعارضين في الخارج، فإن التضييق على الإعلام المحلي وحرمانه من المعلومات أو الهيمنة عليه من قبل الدولة ومؤسساتها، دفعَ الناس نحو التكهنات والتحليلات التي لا يمكن التحقق من مدى قربها من الواقع، بغض النظر عن القراءة السياسية لها. الخيار الوحيد المتاح رسميًا للصحافة في الأردن هو تكريس رواية واحدة لا يمكن التحقق منها أو مساءلتها، ولا يجري حتى الدفاع عنها بشكل مقنع. هذا المسعى لتحديد المسموح والممنوع الحديث فيه، وحدود المسموح في كل قضية، تجاوز كونه أداة قمعية تستخدم في قضايا حساسة ليصبح ثقافة سياسية في الدولة، لا تقتصر على القضايا السياسية بل تمتد لتشمل قضايا اقتصادية واجتماعية وإدارية وحتى صحية مختلفة. 


تبدو مهمة الصحافة في استيضاح قضية كبيرة وغير اعتيادية كهذه شبه مستحيلة في غياب المعلومات، وغياب إمكانية التحقق من القليل المتاح منها سواء على شكل تصريحات أو «تسريبات». ليست هذه أول حادثة تعكس الحظوة التي تملكها الصحافة الغربية في الوصول للمصادر القريبة من دوائر السلطة في الأردن والمنطقة. وطبعًا الصحافة الغربية في حسابات البعض هنا «لا تكذب»، وهي منزّهة عن الخطأ، ولا تُسأل عن أي أهداف محتملة من تغطياتها، حتى وإن كانت مصادرها استخباراتية بالكامل. أما الإعلام العربي، فينطبق على مراسليه المحليين ما ينطبق على الإعلام المحلي إلى حد كبير، بالإضافة إلى اعتماده أيضًا على نقل ما يُسرب للصحافة الغربية.


لكن المسألة ليست تنافسًا على سبق صحفي ما، أو كعكة نريد قسمًا أكبر منها. فليست قدرة الصحافة على التغطية والمساءلة سوى انعكاس لواقع الحياة السياسية والحريات العامة لعموم الناس. وحين يغيب ذلك كما أثبتت أحداث عديدة في السنوات الأخيرة (آخرها الانقضاض على نقابة المعلمين، أكبر نقابة ممثلة في الأردن، وحلّها واعتقال أعضاء مجلسها)، فإن محظورات النشر تصبح متطابقة مع محظورات الفعل السياسي. لذا، فإن تحليل تغطية الإعلام المحلي بوصفها مسألة كفاءة أو حتى جرأة هو تحليل قاصر على أقل تقدير.


لعل أكثر الكليشيهات تكرارًا في وصف الصحافة هي أنها «سلطة رابعة»، تلعب دور الرقابة والمساءلة للسلطات الأخرى وتضمن حق الناس في المعرفة كأداة من أدوات ممارسة المواطنة الفاعلة. لكن هذا يفترض وجودًا حقيقيًا، لا شكليًا، للسلطات الثلاث الأخرى واستقلالية فعلية لها. وهذا ليس الواقع الذي تعمل فيه الصحافة المحلية. 


هنا، قد تنم محاولة قول أي شيء بهدف قول شيء، بعيدًا عمّا يفترض أنه دور الصحافة في استجلاء الحقيقة، عن محاولة لمقاومة القمع والإسكات، لكنها كذلك تعكس تصورًا لحرية الصحافة بوصفها مسألة شجاعة فردية بعيدًا عن السياق السياسي والاجتماعي، واعتقادًا زائفًا بأنه يمكن أن توجد صحافة حرة تمامًا في محيط سلطوي منغلق.


في السنوات الثلاثة الأخيرة، شهدنا تزايدًا كبيرًا في التضييق على مساحات العمل العام في الأردن، طال الأحزاب والنقابات والجامعات ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني وحتى النشطاء الفرديين على مواقع التواصل الاجتماعي. ولم نكن كمؤسسة صحفية بمنأى عن هذا التضييق. دفعَنا ذلك لطرح أسئلة كثيرة على أنفسنا حول طبيعة العمل الصحفي المهني الممكن في ظل هذا السياق السياسي القمعي وجدواه. في هذا الإطار، سعينا ونسعى للمواءمة بين أهمية الاستمرارية وعدم الانسحاب من المشهد من جهة، وعدم التخلي عن قيمنا الصحفية أو الرضوخ للحدود المرسومة لعملنا والسعي لتقديم مضمون يحترم القراء ويحافظ على ثقتهم من جهة أخرى. بالتأكيد ليست الاستمرارية غاية في ذاتها، وقد يصبح التوقف ضرورة مهنية حين يكون الاستمرار على حساب خطنا التحريري وقيمنا الصحفية، لكننا اليوم مستمرون بدفع حدود المساحات المتاحة لنا لأقصاها، وتوظيفها بأكثر الأشكال فائدة لجمهورنا.

مشاركة الخبر