مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

التراجيديا بين الصمت والعواء

الثلاثاء , ٠٦ تشرين الأول ٢٠٢٠
في افتتاح مهرجان «ربيع بيروت» الذي نظمته مؤسسة سمير قصير، في الأول من أيلول-سبتمبر المنصرم، أدّى الكاتب والمخرج والممثل اللبناني- الكندي وجدي معوَّض، نصاً بالفرنسية هو أشبه بمرثية تخرج من رماد القلب.

لكن مفاجأة كاتب مسرحية «حرائق» Incendies هي أنه أخذ التراجيديا إلى تخومها، مستنداً إلى حكاية رواها أوفيد في كتابه «التحولات» عن مأساة هيكوبي. أرسل اليونانيون هيكوبي إلى طروادة كي تتأمل دمار مدينتها، وهناك وجدت صغرى بناتها بوليكسينا مذبوحة فوق قبر أخيل. حاولت المرأة المفجوعة أن تتكلم فلم يصدر عنها سوى النباح.

لكن معوَّض، في قراءته للبنان اليوم، لم يكتف برواية الحكاية، لكنه تقمص هيكابي، واختتم مداخلته بفيديو قصير نرى فيه الفنان وقد تقمص صوت الكلب، وصار ينبح.

في نص أوفيد تعجز المرأة عن الكلام، ويصدر عنها نباح يمزج صمت الضحية بنباح الفجيعة، راسماً الأفق بنبرة مأساوية، حيث لا خيار أمام البطل التراجيدي سوى الذهاب إلى مصيره.

لا تستطيع وأنت تشاهد شريط فيديو وجدي معوَّض أن تبقى محايداً، فهذا الفنان يعرف أسرار البلاغة التراجيدية، ويحسن الدخول في تفاصيلها. وهذا ما فعله أيضاً في نصه «حرائق» الذي وضع الحكاية اللبنانية في نسيج مأساة أوديب. لكن الإيقاع المأساوي اللبناني يصيب الأم وليس الابن الذي اغتصبها في معتقل الخيام. الابن هنا لا يعرف حجم جريمته، لكن الأم التي عاشت في كندا مع ابنها وابنتها اللذين ولدا من علاقة الاغتصاب تلك، توصي بأن تُدفن ووجهها في التراب، تكفيراً عن الجريمة، وتترك لولديها المهاجرَين مهمة اكتشاف سرهما.

شاهدت «حرائق» مرتين، الأولى كفيلم سينمائي، والثانية كعرض مسرحي، وفي المرتين أصبت بما يشبه الارتجاج النفسي، وسألت نفسي هل عشنا ونعيش في لبنان مأساة إغريقية هي صنيعة قدر لا يُرد، أم أن ما نعيشه مختلف. المأساة اليونانية، حسب أرسطو، هي في جوهرها دعوة إلى التطهّر catharsis، أما المأساة اللبنانية فهي مأساة مرمية في فراغ أخلاقي رهيب.

وأمام أوديب اللبناني، حسب وجدي معوَّض، تذكرت عملي على سيناريو فيلم «خارج الحياة» الذي أخرجه مارون بغدادي (1991). ذهبت إلى باريس كي أنجز العمل، وقضيت حوالي ثلاثة أسابيع. كنا نلتقي مساء كل يوم كي نقرأ معاً ما كتبت. يروي الفيلم مأساة صحافي فرنسي خُطف في بيروت، وسط مناخ عشنا فيه مآسي مخطوفين لبنانيين، لفَّتهم العتمة والنسيان.

المفارقة هي أننا عملنا معاً على صوغ مشاهد كوميدية وسط ظلام الخطف. كنا نضحك ونبكي، كأن الحكاية اللبنانية -كما عشناها ونعيشها- كانت كوميديا سوداء أو تراجيديا فارغة من مضمونها.

هذا لا يعني أننا لم نعش خلال الحرب اللبنانية لحظات مأساوية كبرى، من المذابح إلى التهجير والتدمير، لكن هذه اللحظات كانت تذوب في محلول عبثي غريب اسمه الطوائف اللبنانية، التي تتصرف كأنها دول قائمة بذاتها!

هناك شيء غريب وغرائبي في حرب لبنان، مزيج من الجدية المأساوية ومن البعد الكوميدي. فاللاعبون اللبنانيون من ميليشيات وزعماء اتخذوا شكل كومبارس يحاول أن يتقمص دور البطولة، فيبدو مضحكاً مرة ومثيراً للشفقة مرات.

هذا المزيج جعل الكثير من أصدقائنا من المثقفين العرب الذين كانوا يأتون لزيارتنا لا يتفهمون النبرة الساخرة في كلامنا، فنبدو لهم بأننا لسنا جديين، أو لا نحترم موتنا.
وكانت ملاحظاتهم دقيقة من دون أن تكون صائبة. كيف نشرح لهم أننا عشنا أقسى الجدية وأقصى الخِفة. فحين يقود مجموعة من التافهين والحمقى والمدّعين البلاد إلى خرابها، لا تستطيع أن لا تضحك حتى وأنت تتجرع الخراب.

لا يهدف هذا الوصف التحليلي إلى التقليل من قيمة وجماليات نص «حرائق» لوجدي معوَّض. ما أحاول أن أقوله هو أنني شعرت بمسافة بين نص كتبه فنان يعيش مزيجاً من الحنين والشعور الثقيل بالمسؤولية، وبين نص يكتبه مقيم وسط ملاعب الموت اللبنانية التي تختلط فيها المأساة بالملهاة.

هكذا عشنا أعوام الحرب، وهكذا تأقلمنا مع سلام الذئاب الذي صُنع لنا في اتفاق الطائف. لكن ما يسمى بالسلام كان أكثر قسوة من الحرب، لقد برد الجرح واكتشفنا أن وطننا الصغير ضاع في دهاليز التوازنات الإقليمية، وأن بلادنا سُلِّمت للصوص الوصاية والطوائف.

في 17 تشرين حاول شابات لبنان وشبانه أن يزيحوا الكوميديا السوداء جانباً، ويدخلوا في التطّهر التراجيدي، لكن محاولاتهم اصطدمت بالبنى الطائفية، التي لم تستطع استعادة نفوذها إلا بالبلطجة والتشبيح وعبر شعارات سوداء تُعلي من شأن الانتماء الطائفي والمذهبي.

غير أن السلطة نجحت في استعادة الجو الكوميدي عبر الحكومة المسخ التي شكلها حسّان دياب. فحكومة الانهيار الاقتصادي الشامل وكوفيد 19، جعلتنا نعيش ذل المصارف، ونواجه الرصاص المطاطي واعتداءات شرطة المجلس النيابي، بمزيج من الخوف والجرأة والاستخفاف.

لكن اللحظة التراجيدية كانت في انتظارنا، جاءت التراجيديا من حيث لم يتوقع أحد، وانفجرت أحشاء بيروت مع انفجار 4 آب- أغسطس 2020. اكتشفنا فجأة أننا تحولنا إلى مجرد ضحايا. لكننا لم نكن ضحايا قَدَرٍ لا يُرد، كضحايا المآسي الإغريقية، بل نحن ضحايا قطيع الذئاب المتوحشة الذي سرق بلادنا، وغرس أنيابه في لحمنا ولحم بيروت.

الضحية اللبنانية صرخت قبل أن تعود إلى الصمت، أما صوت النباح الذي سمعه وجدي معوَّض، وجسّده في شريطه الحزين بالغضب، فليس نباح ضحية لم تعد اللغة تتسع لآلامها، فاستعارت لغة الكلاب.

نباح الضحية يحتاج إلى قبر أخيل الذي لا نجده في بيروت.

كلا يا عزيزي، ما سمعته كان عواءً وليس نباحاً.

ذئاب تعوي وهي تفترس المدينة، وضِباع تضحك أمام أشلاء البيوت.

لن أقول إنك أخطأت، فنصك كان مؤثراً وتغلغل في تلافيف أرواحنا، وهذا ما يصنعه الفن الرفيع. لكن يبدو أن الأصوات اختلطت عليك.

انظر يا عزيزي، إنها الذئاب، قطعان ذئاب تحتلُّ خراب بيروت وتنتشي بالدم والزجاج، وعواؤها يصمّ الآذان.

أما الضحية فتدخل في بلاغة الصمت، باحثة عن لغة تصوغها عيون المدينة المُطفأة، وهي تنظر وتنتظر خيوط الضوء التي يشفّ عنها هذا الظلام.

مشاركة الخبر