مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

سبعة عشر عاماً!

الثلاثاء , ٠٧ حزيران ٢٠٢٢
منذ أيام قليلة مرت ذكرى اغتيالك، فلفني الصمت، لا لأن الكلام انتهى، بل لأنني فوجئت بالأعوام السبعة عشر التي مرت.

لم أستطع يا سمير قصير أن أروي لأحد كيف التقت عيناي بعينيك المغمضتين وأنت ملقى قتيلاً على مقعدك وأمام مقود سيارتك.

كانت عيناك تشتعلان بضوء خفي يتسرب من بين الأجفان المقفلة.

صرختُ بأنك لم تمت وحاولتُ أن أقترب، لكن رجال الأمن الذين كانوا يطوقون المكان وقفوا سداً في وجهي.

الموت يطفئ العيون، لكن عينيك كانتا محاطتين بهالة من نور.

لم أقتنع بأنك متّ، فما يزال رنين ضحكتك في أذنيّ، ولا يزال الذكاء يحوّل كلامك إلى سحر خفي.

في المأتم وأنت مسجى في كاتدرائية القديس جاورجيوس، سمعتُ صديقنا المطران جورج خضر يصرخ «يا سمير»، وفوجئت بأنك لم تجاوب.

كيف لا يجيب من كان النداء والمنادي؟

كنت الأول في الحلم فصرت الأول في الموت.

كتبت «بيان الحلم»، كي تكون لك وصية. لم تقل لأحد إنها وصيتك، خبأت سر موتك عنا كي لا نصاب بالإحباط، لأن «الإحباط ليس قدراً»، وذهبت وحيداً كي تعانق قدرك. كنت تعرف أن ثمن الحرية هو الدم، فسقى دمك بيروت كي لا تجفّ الحياة في المدينة المنذورة للموت.

اتهموك بأنك فلسطيني، وكنت فلسطينياً، لأنك عرفت الحق الذي حررك وسيحرر وطنك.
واتهموك بأنك سوري، وكنت سورياً، فياسمين دمشق كان في انتظارك.
واتهموك بأنك لست لبنانياً، فلم تكن لبنانياً كما أرادوا، بل صنعت مع رفيقاتك ورفاقك أرضاً للحرية اسمها لبنان.

جمعت آلام بلاد الشام كلها، لأنك آمنت بأن الحرية لا تتجزأ.

سبعة عشر عاماً وأنت كما أنت، جميل وشاب، تتجدد بالحياة لأن كلماتك هي إعلان إيمان بظفر الحياة على الموت.

كنتُ أمشي معك في طرقات بيروت، وأنا أستمع إلى قلبك ينبض بالحب ويفيض عشقاً. نجلس في مقهانا البيروتي في ساحة ساسين، ونناقش في كل شيء، وحين نصل إلى حكايات الحب، ترتسم غيمة شفيفة على عينيك، وتقطّر الكلام كي تحوله إلى ما يشبه الشعر.

قلتَ لي إن عمرك الجديد صار سبعة عشر عاماً.

غريب كيف تقرأ العمر والتاريخ يا أخي وأنت مؤرخ بيروت!

وكيف تتعامل مع شقائنا بنظرة حالمة ترى الآتي الذي لا يراه أحد وأنت صاحب كتاب «شقاء العرب»!

تحذرنا من السقوط في الحرب الأهلية التي يريدها القتلة من أجل تأبيد هيمنتهم، وتطلب منا أن نعود إلى كتابك عن الحرب. لن أقول لك إن الحرب الأهلية تحولت إلى نظام مستبد يسود فيه اللصوص والقتلة، فأنت تعرف ذلك.

نمشي في شوارع بيروت كالتائهين والغرباء، فتلوّح لنا بكتابك عن تاريخ بيروت وتبتسم، فأنت على يقين بأن للمدن أرواحاً لا تموت وسط عواصف الأزمنة، وأنك تعرف بيروت لأنك تتعامل مع روح المدينة التي تشهد للموت ولا تموت.

سبعة عشر عاماً تقول.

أراك فلا أصدق، كيف مرت كل تلك السنوات، ومر معها العمر؟

أراك تبتسم، وأسمعك تقول إن الزمن لا يُحتسب هكذا، فالعمر لا يعبرنا بل نحن من يعبر، نمضي كي لا نمضي، لأننا نبقى في انتظار أن تثأر لنا الحياة من الموت.

«هل هكذا يتكلم الموتى»؟ سألته.
«الموت ليس سوى أحد استعارات الحياة»، أجابني.
«يعني أنت لم تمت»! قلت.
«أنا أعيش في الاستعارة»، قال، «وعليكم أن تترجموا المجاز إلى حقيقة».
«من يجرؤ على ترجمة الموت»؟ قلت.
«ترجموا الاستعارة»، أجابني.

كنت أريد أن أقول له إننا تعبنا من الاستعارات، لقد تحولت حياتنا إلى مجموعة من الاستعارات التي سمحت لنا بأن نحتمل ما لا يُحتمل من الهزائم والخيبات التي تراكمت على أكتافنا، حتى وصلنا إلى الحضيض.

لكنني لم أقل، فسمير قصير على حق، وحده الموت يستحق أن يكون استعارة للحياة، أما الاستعارات الأخرى فلا تحمل سوى دلالات ظرفية.

لم أكن قادراً على متابعة هذا الحوار، فالموت عصي ومغلق، لقد أنهكتنا ترجمة المجاز يا صاحبي، وصار الموت هو الحقيقة الوحيدة التي تتراءى لنا في هذا الليل العربي الطويل الذي نعبره.

مع اغتيالك بدأ الموت في بيروت، كان القتلة يستعدون لتحويل الاغتيالات الفردية إلى مجزرة شاملة، يُطحن فيها الناس بالفقر والذل والمهانة.

كيف أخاطبك؟ أنت هناك أو هنا لا أدري. هل صحيح أن أرواح القتلى تعيش في أغصان الأشجار كي تبقى في الأمكنة التي طُردت منها؟

تيقنت من احتمال أن يكون هذا الكلام صحيحاً ليلة انفجار المرفأ بالمدينة، كل الذين كتبوا عن تلك الليلة الرهيبة وصفوا الزجاج المطحون بالدم الذي احتل العيون. لكنني سمعتُ ولولة الأشجار التي كانت تقف على جوانب الطرق في الجميزة ومار مخايل والجبل الصغير. نعم، كانت الأشجار تصرخ مستغيثة، كأن أرواح القتلى استوطنت الأغصان.

أين أنت؟

أرى ابتسامة ترتسم على شفتيك، كأنك كنت تريد أن تجيبني بكلام يسخر من أسئلتي، لكنك لم تتكلم.

تركتَ الكلام معلقاً على حبال الموت، كأنك غسلت الكلام بدمك، وعلقته أمام الزمن كي يصير جديداً.

هذا الكلام الجديد الذي ينتظرنا على منعطفات الحياة يلخص حكايتك وحكايتنا معك.

وسمعت صوتك ينبثق من بين حروف الأبجدية وهو يقول بأن حكاية مقاومة شقائنا اللبناني والعربي لم تنته، بل تبدأ كل يوم، وعلينا أن نعيش هذه الحكاية ونرويها.

مشاركة الخبر