مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

جيزيل خوري: سنكون الدرع للشباب الذين كسروا جدار الصمت

الجمعة , ١١ أيلول ٢٠٢٠

كلمة جيزيل خوري، رئيسة مؤسسة سمير قصير، خلال تقديم جائزة سمير قصير للعام 2020:

 

مساء الخير.

شكراً لسفير الاتحاد الأوروبي في لبنان رالف طرّاف، الذي يواكبنا كأسلافه في منْح جائزة سمير قصير السنوية لحرّية الصحافة، والتي بفضل أوروبا وشباب العرب الرائعين أصبحت جائزة عالمية مشرّفة.

 

تأتي جائزة سمير قصير هذا العام مختلفة. تُمنَح في مدينة سمير المجروحة والمقتولة. فالضحية اليوم لم تعُد معتقل رأي قابعاً في سجن الدكتاتوريات أو ناشطاً مقتولاً من أجل الحرية. الضحية اليوم لم تعد كاتباً حالماً بالتغيير والحداثة أو صحافياً شجاعاً كاشفاً قضية فساد وظلم.

 

الضحية اليوم هي مدينة بكاملها، شعبٌ بأطفاله وشبابه وكباره، عمارات بتاريخها القديم والحديث... الضحية الأكبر هي روحنا وبيروت روحنا وهذا هو الهدف.

 

تجنّدت الطبقة الحاكمة لقتلِنا فرداً فرداً، بيتاً بيتاً، حيّاً حيّاً... هل يذكّركم هذا الكلام بأحدهم؟ هل سبق وشاهدتم مجازر ضد المدن؟ براميل متفجّرة من السماء؟ حصاراً قاسياً عن الخبز والماء والكهرباء؟ بيروت جسّدت كل هذه المشاهد بانفجار واحد، في مرفَئِها، لأنها مرفأ وبحر وباخرة.

 

زرعوا الموت في شوارعها كي يقتلوا الأحلام فينا. أحلام بدولة ديمقراطية، بدولة قانون، بحاكمٍ قدير، بمحاسبة القَتَلَة والفاسدين. أحلام بمستقبل واعد على مستوى جيل جديد طموح. "أمنٌ عام وليس أمناً خاصاً. دولة مدنية فيها قضاء متحرّر من التدخّلات السياسية والمخابراتية. صفات أخلاقية، جمهورية لا يرقى إليها الشك، بالإضافة إلى الفاعلية الإدارية العصرية"...  كتب سمير قصير. فقتلوه وقتلوا الرفاق في ليلة 4 آب 2020.

 

اليوم يا سمير، رفاقك هم ألكسندرا والياس ويوسف وطه وطانيوس وروان وحسن وأحمد وعبد القادر... وكل الأسماء التي تخطر في بالك. وكل المهن وكل الجنسيات وكل الطوائف... ألم تكن تحلم بوطن يجمع كل الفئات؟ إنهم اليوم معك لتحلموا سوياً بعيداً عن أرضٍ قتلت فينا الأحلام.

 

نسيت أن أقول لك إنني رحلت... عن بيروت. أتذكر في نيسان 2005 في باريس وأنت توقّع كتابك "تأمّلات في شقاء العرب"؟ قلت لك أن نبقى هنا لسنة واحدة لأني خائفة عليك، فأجبتني: "تريدين قتلي؟".

 

لن أعتذر منك لأنك تعرف الجواب. فأنا اليوم بعيدة ولن يقتلوني.

 

كنت أمشي في أحياء بيروت بعد الانفجار وقُبيل أيام من سفري، فقرأتُ على جدار: "هذا ما فعلت دولتي بي".

 

شابة أو شاب ما من بلادي كتب هذه العبارة أمام مقرّ الحكومة وأمام العسكر والمخابرات والحرس والحزب والله في الأرض والسماوات. فابتسمْت وقلت سأذهب للحظة وسأعود للأبد لأكون الدرع لهؤلاء الشباب الذين كسروا جدار الصمت وأمدّ أضلعي "جسراً وطيد، من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق إلى الشرق الجديد"، كما قال خليل حاوي.

 

الليلة نحتفل بجائزتك التي ستُمنح لأجمل شباب العرب، لأَجْرَئِهم، لأَقْدَرِهم، لأنهم يقولون الحقيقة. وما الحقيقة إلّا صون حرية التعبير التي تحافظ على أمن المجتمع. كنا قد أنقذنا بيروت من جَهلِهم وتَواطُئِهم وإجرامِهم، لو لم يقتلوا صحافة الاستقصاء والمهنية الحرّة.

 

إن مؤسسة سمير قصير تتعهّد بالمضيّ بمشروع تدريب وتطوير ومواكبة الصحافيين للاستقصاء، مع أفضل المدرّبين العالميين، إيماناً منها بأنها عنصر أساسي لحماية المجتمع.

 

شكراً لشابات وشباب مؤسسة سمير قصير فرداً فرداً.

شكراً لكل المؤسسات الإعلامية المتعاونة.

معاً سنعمل لكي تعود الشمس تشرق من عندنا وتعود بيروت خيمتنا.

مشاركة الخبر