مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

النظام البوليسي وحرية الصحافة: معركة جديدة

المصدر جريدة المدن
الأحد , ١٤ حزيران ٢٠٢٠

لبنان في مرحلة حاسمة من تاريخه. والخوف يتفاقم مع الأزمة الاقتصادية الخانقة، كما من الاستعصاء السياسي. لكن الخوف الأكبر الآن هو من هذا النظام البوليسي الذي يشتدّ فتكاً ويزداد ضراوةً.

هو النظام الذي بات يمسك بكل مفاصل الدولة بأسلوب ناعم، فتارةً يتدخّل لصالح فريق داخلي وتارة أخرى لصالح أفرقاء إقليميين.


الخوف اليوم هو من التضييق الذي يطال "السلطة الرابعة"، حسب السياسات والخطط التي عبّرت عنها الحكومة ووزارة الإعلام و"المجلس الوطني للإعلام". فثمة سعي واضح لتدجين ما بقي من صحافيين وإعلاميين غير خاضعين، لما لهم من تأثير على تجييش الرأي العام ولما لهم من أهمية في الحفاظ على هوية لبنان. لبنان الذي يجب أن يبقى بلد الصحافة الحرة، بلد شهداء الصحافة الذين قاوموا السلطنة العثمانية والانتداب الفرنسي والوصاية السورية. لبنان بلد سعيد تقي الدين وسليم اللوزي وجبران التويني وسمير قصير.


إن ظاهرة الصحافي/ة الناشط/ة غير القابل/ة للتقييد، تخيف السلطة والأجهزة الأمنية، بعدما أصبح لكل صحافية وصحافي منبراً يتوجه عبره للناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فبدأت تدرج الاستدعاءات وتكثر عبارة "تفضّل شراب فنجان قهوة". وهي عبارة تهدم جوهر عمل الصحافة الذي يجسد فكرةً ولبنةً أساسية في كل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وهي حرية التعبير.


تضرب هذه العبارة التزامات لبنان الدولية وصورته. تنتهك إعلان اليونيسكو للعام 1978 حول إسهام وسائل الإعلام في دعم السلام العالمي والتفاهم الدولي وتعزيز حقوق الانسان ومكافحة العنصرية. كما تنتهك إعلان جوهانسبرغ للعام 2002 حول حرية الصحافة وحقها في الوصول للمعلومات. ومن جملة ما تنتهكه أيضاً، الدستور اللبناني والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.


لقد دفع الأداء الأمني وعبارته هذه، وجملة الاستدعاءات المتكررة للصحافيين، لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة للتعبير قلقها حيال تدني مستوى حرية التعبير في لبنان، بسبب تضييق الخناق على الصحافيين. والقلق نفسه عبّرت عنه معظم المنظمات الدولية الناشطة في مجال حقوق الانسان.


في مواجهة هذا الواقع والأداء، على الجسم الصحافي أن يبدأ معركة واضحة ومحددة، واقعية وقانونية. فمطالبة بعض الصحافيين بأن يتم التحقيق معهم من قبل النائب العام، وليس الضابطة العدلية أو مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية حقوق الملكية الفكرية هو بغير محله. ينمّ عن عدم دراية بالاتفاقيات والإعلانات الدولية التي تحميهم وبالقوانين اللبنانية التي تقيّدهم.


فالصحافيون محكومون بموجب قانون المطبوعات تاريخ 14/9/1962 المعدّل بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 104 الصادر بتاريخ 30/6/1977 والمعدّل أيضاً بموجب القانون رقم 330/1994. وبالتالي، يجب التركيز على وجوب إلغاء النقاط التالية في هذا القانون:

- المادة الثالثة التي تعاقب بالحبس كل من ينشر أخباراً تعكّر السلم الأهلي. فبفضل هذه العبارة الفضفاضة انتُهكت حرية الصحافة لعقود.

- المادة الثانية عشر التي تتعارض مع مبدأ وقانون حق الوصول للمعلومات.

- إلغاء المادة السابعة عشر، وما يليها، والمتعلقة بالذم والتحقير، والتي أيضاً يجب إلغاءها من قانون العقوبات كجرم جزائي يستدعي الحبس، وفقاً للتوصيات التي تلقّتها الدولة اللبنانية من لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

- إلغاء المادة الثالثة والعشرين، وما يليها، المتعلقة بالمس بكرامة الرؤساء وبإثارة النعرات الطائفية والتعرّض للديانات، لما هي من مصطلحات واسعة تُستعمل كأداة لتقييد حرية النقد والتعبير التي حولهما تتمحور مهنة الصحافة.

- إلغاء عقوبات الحبس التي تطال الصحافيين والمدير المسؤول عن الصحيفة.

- وأهمّ التعديلات المطلوبة أيضاً، تعديل المادة الثامنة والعشرين، وما يليها، عبر إلغاء محكمة المطبوعات التي تعتبر محكمة إستثنائية، مثلها مثل المحكمة العسكرية وغيرها من المحاكم، التي تخالف المواثيق والاتفاقات الدولية، والتي تنتقص درجة من درجات التقاضي.


ولعلّ المطالبة الأهم تتركّز على إلغاء مبدأ التحقيق أمام القضاء الجزائي (قاضي التحقيق) والاستعاضة عنه بالتقاضي أمام القضاء المدني العادي، للمطالبة بتعويضات مادية للمتضررين، وعدم تطبيق أحكام قانون العقوبات بحق الصحافيين لما يتعلق بعملهم الصحافي.


هذه نقاط قانونية من الواجب إثارتها من قبل الصحافيين لتحصين مهنتهم، عبر إصدار قانون جديد يتماشى مع التطور الحاصل في هذه المهنة. أو حتى تعديل القانون القائم، بشرط أن يتماهى مع حرية التعبير للصحافيين، خصوصاً أننا اليوم أكثر ما نكون بحاجة لصحافة حرة سيدة ومستقلة.

مشاركة الخبر