مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

لبنان تنصّل من تقديم ضمانات لحرية الإعلام والسبب…المثليون!

المصدر درج
الجمعة , ٢٠ تشرين الثاني ٢٠٢٠
يبدو أن صفة الديموقراطية التي طالما تغنّى بها لبنان تتساقط تدريجاً وبسرعةٍ لافتة، وما تحفُّظ لبنان على توقيع بيان مرتبط بحرية الإعلام، سوى مسمار جديد في نعشها...

“السبب يعود لوجود عبارة تتعارض مع القوانين اللبنانية”… هكذا برّر شربل وهبي، وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال، عدم توقيع لبنان على البيان الختامي للاجتماع الوزاري الصادر عن المؤتمر العالمي الثاني لحرية الإعلام، الذي استضافته كندا وبوتسوانا في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 عبر منصة رقمية، والذي يدعو إلى مزيد من الضمانات لحماية حرية الإعلام والتعبير.


لبنان الذي لا يوفر مسؤوله مناسبة للتأكيد على تمسكهم بالحرية ينسحب من التوقيع على بيان يتعلق بحرية الإعلام.


ولكن ما هو البند الذي تضمنه بيان مرتبط بحرية الإعلام ويتعارض مع القوانين اللبنانية؟

طالب البيان الختامي للمؤتمر الدول الأعضاء في “التحالف من أجل حرية الإعلام” ، العمل على توفير مزيد من الحماية للصحافيين وإنهاء الإفلات من العقاب ليتمكن الصحافيون حول العالم من القيام بمهماتهم بحرية. كما ندد البيان بالاعتداءات على الصحافيين واعتبر حرية التعبير ضمانة أساسية لحقوق الإنسان وأن الإعلام حجر أساس للديموقراطية، ولا يمكن للرأي العام أن يقوم بمحاسبة السياسيين وبلعب دور رقابي من دون إعلام حرّ ومستقل. كما دعا إلى إيجاد بيئة ملائمة للتداول الحرّ للمعلومات تقوم على إعلام حر مستقل متعدد ومتنوع تكون كل الفئات وحتى الأكثر تهميشاً ممثلة فيه وضمنها النساء والمثليون.


ويبدو أن البند الأخير هو ما أثار حفيظة لبنان ومنعه من التوقيع على البيان، إذ إن لا حقوق أو حريات للمثليين فيه، فقد سببت عبارة تدعو لحفظ حقوق النساء والمثليين ارتباكاً وتردداً لدى المسؤولين الذين لا يؤمنون على ما يبدو بأن النساء والمثليين لهم حقوق كباقي شرائح المجتمع. هذا. التردد لا نلمسه حين يتعلق الأمر بتوقيف ناشطين او صحافيين أو فقأ أعين متظاهرين وسحلهم كما حصل في لبنان تكراراً خلال الأشهر الماضية.


وتبرير وهبي و”أسفه” على عدم تطوير القوانين اللبنانية في تغريدة على “تويتر”، أتى بعد بيان منال عبدالصمد، وزيرة الإعلام في حكومة تصريف الأعمال، التي أيضاً لم تنتقد استثناء القوانين اللبنانية حقوق الفئات المهمشة والمثليين تحديداً، بل قالت إن “بإمكان لبنان التحفّظ عن التوقيع وليس التمنع”.


قانونياً، فإن “قرار الوزير ليس شخصياً، بل هو تمثيل لرأي الحكومة اللبنانية”، وفق المحامية ليال صقر، التي أشارت لـ”درج” إلى أن هذه الخطوة تؤشر الى أن هذا الموقف يؤشر الى أن لبنان “متجه الى مزيد من القمع فحين يقرر لبنان الرسمي عدم الالتزام ببنود تتعلق بحرية الاعلام والصحافة واحترام التنوع سواء لجهة حقوق النساء أو المثليين فهذه رسالة الى أننا متجهون الى مسار سيئ”، وتضيف صقر “البيان الوزاري لا يُلزم الدولة اللبنانية، إلا إذا كانت الاتفاقية مصدّقة من المجلس النيابي”، والتي لا تنطبق في هذه الحالة. 

تتزامن تلك الخطوة مع تراجع لافت في مستوى الحريات في لبنان وتزايد الاعتداءات والتوقيفات لصحافيين وناشطين، لا سيما الذين لديهم آراء نقدية حول السياسات اللبنانية. فعلى رغم مشاركة لبنان في المؤتمر ممثلاً بوزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال شربل وهبي، إلا إنه كان الدولة الوحيدة التي حضرت ولم تُوقّع على البيان، الذي حمل توقيع 36 دولة عضوة في “تحالف من أجل حرية الإعلام” من أصل 37 دولة، أي أن لبنان هو البلد الوحيد في التحالف الذي لم يوقع البيان الختامي.


هذا الأمر، الذي يُشكّل حتماً ضربة لحرية الصحافة في لبنان، أثارته مؤسسة “مهارات” في بيان، مشيرةً إلى “تراجع بيئة العمل الصحافي لناحية الحرية والسلامة بشكل دراماتيكي في السنوات الماضية”.


ليال بنهام، مديرة البرامج في مؤسسة “مهارات”، قالت لـ”درج” إن “تحفّظ لبنان على توقيع البيان الوزاري هو مؤشر خطير يشي ببيئة صحافية غير صحافية، خصوصاً أن التقارير التي تعمل المؤسسة على نشرها تظهر تزايداً لافتاً في الانتهاكات والتضييق على عمل الصحافيين”.


في هذا الإطار، تواصل “درج” مع جوزيف قصيفي، نقيب محرري الصحافة اللبنانية، الذي لم يكن على معرفة لا بتحفّظ لبنان على التوقيع، ولا حتى بالمؤتمر الدولي لحرية الإعلام، مبرراً ذلك بأنه منهمك بموضوع البطاقات الصحافية المزوّرة التي يستخدمها أشخاص بهدف التنقّل أثناء فترة الحجر الصحي، والتي كان أثارها في الأيام القليلة الماضية وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، محمد فهمي. وأكّد قصيفي أن النقابة لاحظت في الفترة الأخيرة اعتداءات وملاحقات لصحافيين، وأنه “يستنكر أي ممارسات قمعية على المواطنين والصحافيين تمنعهم من التعبير عن رأيهم”، كما أكّد أنه “سيتخذ موقفاً على ضوء المعطيات” حول القضية الأخيرة…


مسلسل قمع الأصوات المعارضة مستمر…

كثرت روايات التوقيفات والملاحقات وحتى الاعتداءات على صحافيين ونشطاء، خصوصاً المعارضين. وكان آخرها توقيف الأستاذ الجامعي والناشط مكرم رباح في مطار بيروت الدولي ومصادرة جواز سفره وهاتفه، ومحاولة تفتيش أجهزته الإلكترونية، إلا أن الأخير اعترض لعدم حصول قوى الأمن على إشارة قضائية بذلك، وهو ما يكشف مدى تورّط السلطة في قمع حرية الرأي واستهدافها النشطاء والإعلاميين. إذ تمارس الأجهزة الأمنية كل الأساليب الملتوية للإطباق على الحريات، بهدف تحويل لبنان إلى بلدٍ يستباح فيه القانون. في إشارة إلى أن رباح هو وجه معارض معروف لسياسة “حزب الله” و”التيار الوطني الحرّ.


قصة رباح هي واحدة من قصص اعتداءات نُشرت في الأشهر الأخيرة، لا سيما بعد انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، في إشارة واضحة إلى تراجع هامش الحريات في لبنان. إذ احتل لبنان المرتبة 102 من أصل 180، في مؤشر حرية التعبير وفق تقرير “مراسلون بلا حدود” لسنة 2020، بعدما تراجع مرتبتين في السنتين الأخيرتين.

اللافت أيضاً، أن لبنان كان مرشحاً عبر إحدى مؤسسته المدنية وهي “مؤسسة سمير قصير” لنيل جائزة من “تحالف من أجل حرية الإعلام”. هذه الازدواجية يطرحها جاد شحرور، المتحدث الإعلامي باسم المؤسسة، مشيراً إلى أن “تحفّظ لبنان عن التوقيع يأتي في سياق ليس بغريب عن الممارسات القمعية التي شهدها لبنان، لا سيما منذ عام 2016، بعدما تجاوز قمع المعارضة السياسية، إذ وصل إلى منع أعمال فنية وأفلام أيضاً”.


الازدواجية نفسها يطرحها شحرور في إطار مختلف، إذ يقول إنه “بينما يتنصّل لبنان عبر وزير خارجيته من حماية حرية الصحافيين وسلامتهم، يُشيد وزير الداخلية بعمل وسائل الإعلام ودورها في توعية المواطن حول انتشار وباء كوفيد-19”.

ولعلّ أبرز ما يظهره فصام المعايير هذا في حكومة حسان دياب، هو تجلي ما ترغبه السلطة اللبنانية من الصحافة ودورها، أي بمعنى آخر، هي تريد الجسم الإعلامي كبوق سلطة حصراً، يعمل لمصلحتها فقط، وهو ما نشهده في دول عربية أخرى حوّلت الكيان الإعلامي إلى جزء من النظام العسكري القائم، مصر كمثال.  


إذاً فإن تصرّف لبنان، الذي يُروّج لنفسه على أنه بلد ديموقراطي ورائد إعلامي في المنطقة العربية المحيطة، لا يبدو مستغرباً، خصوصاً إذا ما وضع في سياقٍ مع سلسلة القمع الأخيرة للحرية الإعلامية، ومع الانتهاكات التي يتعرض لها المثليون جنسياً في لبنان.

مشاركة الخبر