مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

المحتوى الفلسطيني على مواقع التواصل والرقابة السيبرانية الإسرائيلية

الإثنين , ٢١ أيلول ٢٠٢٠

يواجه المحتوى الفلسطيني عبر مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات رقابة مستمرة وحثيثة من إسرائيل، والتي أثّرت بشكل واضح على سياسات إدارة "فايسبوك" (Facebook) التي تستجيب لغالبية الشكاوى والطلبات، بعد تقديمها بشكل أساسي من وحدة "السايبر" (cyber) الإسرائيلية، والتي يتركَز نشاطها على مراقبة المضمون الفلسطيني وتقديم شكاوى إلى شبكات التواصل الاجتماعي لحذف تلك المضامين، والتي بلغ عددها الآلاف، وتستجيب "فايسبوك" لمعظمها وفقاً للوحدة نفسها، لتصبح منصّات التواصل وسيلة لملاحقة عدد كبير من الفلسطينيين بدل أن تكون منصّة للتعبير عن الرأي.

مركز "عدالة" بالمشاركة مع "جمعية حقوق المواطن"، قدّما التماساً إلى المحكمة العليا الإسرائيلية قبل نحو عام، ضد عمل الوحدة السيبرانية التابعة للنيابة العامة ووزارة القضاء الإسرائيلية، والتي تعمل منذ سنوات على حذف مضامين ومنشورات من مواقع التواصل من دون مسار قضائي أو صلاحية قانونية. المحكمة العليا الإسرائيلية طالبت النيابة العامة بعد الجلسة الأخيرة في 3 آب/أغسطس 2020، بتوضيح  حول الأسس القانونية التي تعتمد عليها لتفعيل آلية حذف المنشورات والمضامين، وماهي الصلاحيات التي تعتمد عليها خلال ذلك، لكن المحكمة أعطت مهلة إضافية للنيابة حتى توضح مصدر صلاحياتها. ويأتي طلب المحكمة بعد ادّعاء الدولة أن "منصات التواصل الاجتماعي المختلفة تحذف المضامين والمنشورات تطوّعاً بعد التبليغ عنها"، وفي حالات كثيرة تحذف المنشورات من دون علم ناشريها أو تبليغهم، كما يتمّ في حالات أخرى حظر صاحب الحساب أو الصفحة بسبب المحتوى الذي تطلب وحدة السايبر حذفه. 

في دراسة أجرتها شركة "آيبوكلتكنولوجيا المعلومات، والتي تعنى بتسليط الضوء على التواجد الرقمي الفلسطيني عبر مواقع التواصل الاجتماعي لرصد وبحث انتهاكات إدارات تلك المواقع للمحتوى الفلسطيني، بيّنت النتائج أن المستخدمين تعرّضوا لانتهاك وحذف محتوى في كلٍ من الإدارات التالية بنسب مختلفة: "فايسبوك 81%، وفي كلٍ من إنستغرام (Instagram) وتويتر (Twitter) بنسبة 4.5%"، ثم "يوتيوب (YouTube) ومنصات أخرى بنسب أقل". أما أنواع الانتهاكات وتحديداً على "فايسبوك" فجاءت كالتالي: "حظر النشر %49.2، حذف حسابات 24.2%، منع ظهور صفحات 10.8%، حذف صفحات 8.3%، منع من البث المباشر 5%، حظر من مسنجر فايسبوك 2.5%".

ووفقاً للدراسة نفسها، فإن أسباب محاربة "فايسبوك" للمحتوى الفلسطيني، تمثّلت في "الاستجابة لطلبات الاحتلال الإسرائيلي، وضعف الضغط الرسمي الفلسطيني على إدارة فايسبوك من قِبل وزارة الخارجية، وازدواجية معايير شركات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى مخالفة المحتوى لسياسات مجتمع فايسبوك".

 

"السايبر" والصلاحية القانونية

 

عن وحدة "السايبر" الإسرائيلية وعملها، قال المحامي في مركز "عدالة" ربيع اغبارية لمراسلة "سكايز": "بدأت وحدة السايبر التابعة للنيابة العامة الإسرائيلية ووزارة القضاء عملها أواخر العام 2015، هذه الوحدة تقدّم بشكل أساسي  الطلبات إلى فايسبوك، ويوتيوب، وغوغل (Google)، وتويتر وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الغالبية تقدّم إلى فايسبوك، وهذه الطلبات تأتي بناء على قوانين فايسبوك نفسها بخصوص حرية التعبير، ولكن الوحدة تدّعي أن هذه المضامين تخالف القانون الإسرائيلي. إن عمل هذه الوحدة غير شفاف فهي لا تكشف كيف تصلها هذه المضامين أو ما هي الأمور التي يتمّ حذفها، إذ لا يوجد مسار قانوني واضح لذلك، إضافة إلى أنهم يدّعون وجود مخالفة لقوانين إسرائيل وقوانين فايسبوك، ومعظمها قوانين لها علاقة بمخالفة قانون الارهاب أو التحريض، وهنا نحن نتحدث عن آلاف الطلبات سنوياً، وإذا أردنا إعطاء مثل عن عدد طلبات تلك الوحدة، فمثلاً منذ بداية عملها تمّ تسجيل حوالي 200 طلب في 2015، في حين وصل الرقم إلى 14 ألف طلب في العام  2018".

وحول الالتماس الذي قدّمه مركز "عدالة" لإيجاد صلاحية قانونية واضحة لعمل هذه الوحدة، أوضح أن "لا صلاحية قانونية أو دستورية لهذه الوحدة بخصوص النشاط الذي تقوم به. يوجد هنا مساس بحقوق أساسية وهي حرية الرأي التعبير، فهم لا يريدون تشريع قانون لمنح هذه الوحدة الصلاحية، إذ إنهم غير معنيين بتمرير قانون لأنهم في هذه الحالة سيضطرون إلى إيجاد نظام واضح يتم بموجبه إزالة هذه المضامين، خصوصاً وأن هذه الوحدة تعمل خلف وفي ظلال القانون، ولا يوجد مجال للتعامل بطريقة يمكن الاعتراض على قراراتها أو مراجعة ما يتم حذفه".

أضاف: "إنها المرة الأولى التي اقتنعت فيها المحكمة بوجود مشكلة، وطالبت النيابة بمعرفة كيف يسير مثل هذا الأمر في دول أخرى، فكان ردّ النيابة بأن مفهوم عمل هذه الوحدة طوعي، حيث أنها تطلب من هذه الشبكات إزالة المضامين، كما أن الأخيرة ليست مضطرة إلى الرد على الدولة ولذلك لا توجد حاجة لصلاحية، الدولة لا تفرض أي شيء، ردّنا عليهم كان أنهم بحاجة إلى وجود صلاحية قانونية لحذف تلك المضامين. إضافة إلى ذلك، يدور الحديث عن دولة وهذه الشبكات لديها في إسرائيل مكاتب وتدفع الضرائب، فإن الدولة في هذه الحالة لديها أدوات حتى من دون أن تقول لهم أنهم مضطرون لإزالة هذه المضامين، بالواقع هذه الشبكات موجودة تحت المجهر في واقع مبطن، هنا لا توجد علاقة متوازنة بين الدولة وطرف ثانٍ، توجد علاقة بين هذه الشبكات التي لديها مصلحة لدى الدولة وتستجيب لطلباتها أكثر من العادي".

 

"فايسبوك" حاضر ويستجيب

 

من جهته، أكد مدير مركز "حملة لتطوير الإعلام الاجتماعي" نديم ناشف لمراسلة "سكايز" أن إدارة "فايسبوك" تستجيب بنسبة تصل إلى حوالي 90 بالمئة من طلبات وشكاوى الوحدة السيبرانية لحذف المضمون الفلسطيني، مضيفاً: "تركَزت نشاطاتنا في السنوات الأخيرة على حماية الحقوق الرقمية للفلسطينيين، وأيضاً نحاول من خلال عملنا التأثير على سياسات شركة فايسبوك وسياسة إدارة المضمون التي تنتهجها الشركة، والتي تتأثر كثيراً بالسياسات الإسرائيلية، بغضّ النظر عمّا إذا كان هناك اتفاقاً بينهما، لكن الواضح أن هناك تعاوناً حثيثاً بينهما. وبموجب الأرقام توجد وتيرة تصاعدية واضحة، والتي سجلت ألفي طلب في العام 2016، وفي السنة الاخيرة كانت الطلبات قد وصلت إلى أكثر من  15 الفاً وهذه أرقام هائلة، ووفقاً لمسؤولي وحدة السايبر فهم يقولون إن إدارة فايسبوك تستجيب إلى حوالي  90 بالمئة من طلباتهم، وجزء قليل جداً منها  لا يتم الرد عليه".

 

وتابع: "كانت هناك محاولة إسرائيلية لتشريع قانون لإجبار إدارة فايسبوك على حذف المضامين، لكن لم تقم بذلك حتى الآن، إذ يكون الرد دائماً انها شركة أميركية وتطبّق القانون الأميركي، وعلى هذا الأساس يتم الحذف من دون أي مناقشة. سياسة ادارة المضمون التي تتبعها فايسبوك، جزء منها يعتمد على طلبات الطرف الاسرائيلي، وجزء آخر يتم من خلال الذكاء الاصطناعي، كلمات مفتاحية، وهناك لجنة دولية لمحاربة الارهاب والتطرف بين بعض الدول الغربية، قامت بإدخال مصطلحات مثل: شهيد، مقاومة الخ، اضافة الى اسماء الفصائل الفلسطينية التي يتم تعريفها كجماعات إرهابية بحسب القانون الاميركي تشمل الجهاد الاسلامي وحماس ومن اليسار الفلسطيني الجبهة الشعبية، وفي لبنان حزب الله، الخ، سواء اسم الفصيل أو قادة أو شخصيات متماثلة معه أو أجنحته العسكرية، هذه الكلمات تدخل إلى قائمة الكلمات المفتاحية الموجودة لديهم ويتم الحذف بصورة أوتوماتيكية".

 

رقابة ذاتية ناشطة

 

وحول ما تفرضه آلية حذف المضامين من رقابة ذاتية، لفت ناشف إلى أن "الناس تدرك تماماً وجود عملية بحث بحسب الكلمات المفتاحية، لذلك يتجنّب الكثيرون الكتابة عن هذه المواضيع او اتّباع طريقة لكتابتها بشكل لا يتم العثور عليه في محرك البحث. قمنا العام الماضي بإجراء  بحث عن مشاركات وكتابات الشعب الفلسطيني في مواقع التواصل وعن حرية التعبير، وتبيّن لنا أن ثلثي الشباب الفلسطيني يخشى الكتابة بحرية، وهذا نتيجة القمع والرصد والمراقبة والإشكاليات التي تحدث جرّاء ذلك".

 

لا تزال مساحة  التعبير الحرّ للفلسطينيين على مواقع التواصل الإجتماعي تتضاءل بصورة مستمرة، وخصوصاً مع تفاعل الفلسطينيين عبر تلك المواقع مع العديد من القضايا والأحداث، لكن اسرائيل تعمل جاهدة من خلال وحدتها السيبرانية لإسكاتهم، في ظل استجابة كبيرة من قبل مواقع التواصل الاجتماعي وتحديداً "فايسبوك"، لتخلق عند البعض رقابة ذاتية كي لا تكون صفحاتهم عرضة للحظر أو المنع أو حذف محتوى.

مشاركة الخبر