مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

مقال قد يُحجَب في الأردن

الأربعاء , ٢٢ تموز ٢٠٢٠

تجاوزْنا في الأردن حالة الصدمة التي استمرّت قرابة العام ونصف العام من جرّاء التوقّعات التي ذهبت مع الريح، بأن تكون حكومة الدكتور عمر الرزاز حكومة تحمل روح الديمقراطية والدفاع عن الحرّيات، تلك التوقّعات التي لم تأتِ من فراغ، بل من وعود اصطحبها معه الرئيس أول أيام استلام دفّة الرئاسة، عقب حراك شعبي أسقط حكومة سابقة شغفاً لهبوب رياح التغيير الديمقراطي.

تجاوزْنا مقارنة الكلام الناعم والتصريحات المبشّرة بالواقع، وتجاوزْنا شعور الحسرة على آمال بُنيت بأن تكون حكومة الرئيس تُشبه شخص الرئيس الذي عهدناه في السابق، رجلاً يحمل في جعبته فكراً مدنياً حرّاً يتشابه مع متطلّبات تعزيز الحقوق والحرّيات، تجاوزْنا ذلك وأكثر ووصلنا إلى مرحلة الخضوع للأمر الواقع بأن هذه الحكومة تكاد تتفوّق على سابقاتها في ممارسة التقييد على الحرّيات في الأردن، كل الحرّيات.

وقفزاً عن استعراض أبرز أشكال الانتهاكات التي استهدفت حقوقاً وحرّيات أساسية أهمها حرّية الرأي والتعبير، حرّية الإعلام، والحق في التجمع السلمي منذ النفَس الأول لحكومة الرزاز، نستعرض عبر الماضي القريب  ومنذ بداية العام الحالي، الحالة البائسة اليائسة التي وصلت إليها حالة الحرّيات في الأردن، تلك الحالة التي تُشبه ما أشعر به الآن وأنا أكتب هذا المقال ويدي اليسرى على قلبي من أن يصبح هناك منفذ "ينسلّ" عبر قوانين الحكومة بأن أُحاسَب وأُلاحَق بسببه قانونياً، فمِن العادي جداً أن "تُفبرَك" لي تهمة من هنا أو من هناك، مثل جملة التهم التي تستند إليها الحكومة في قانونها، قانون الجرائم الإلكترونية، كما حدث مع زملاء وزميلات صحافيين وناشطين في العمل العام وفي مواقع التواصل الاجتماعي.

ليس هناك شخص "فوق رأسه خيمة" اليوم في الأردن، ونحن نواجه سلسلة من التقييدات على الحرّيات، فمنذ بداية العام الحالي ومع إضراب المعلّمين، كان التعامل مع الإضراب رسالة أكثر صرامة من سابقاتها في العام الماضي تكشف السياسة الحكومية لكل من يُعبّر عن رأيه، حتى لو كان هذا التعبير حقاً كفله الدستور الأردني في مادته الـ 15، والعهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية المصادِق عليه الأردن في مادته الـ 19، وقانون الاجتماعات العامة. فالإضراب لم يصبح إضراباً إلا عندما مُنعت نقابة المعلّمين من ممارسة حقّها في التجمّع السلمي، ما أدى إلى احتقان الموقف الذي سبّب حالة من الشلل في الأردن، خصوصاً وأن قطاع التعليم ومصير طلبة المدارس أصبح معلّقاً طوال فترة الإضراب، الذي وبعد انتهائه، وُضِع المعلّمون في خانة التسبّب بإحداث حالة الشلل تلك، من دون النظر بعين الحقيقة إلى أن السبب هو منعهم من حقهم في التعبير من الأساس.

لم تتوقّف سياسة تكميم الأفواه منذ بداية العام الحالي على المعلّمين، حيث نال المشهد الصحافي والإعلامي الأردني نصيباً وفيراً من حالة التضييق، والتي تُرجمت بأشكال عدّة أهمها توقيف صحافيين، مثول صحافيين أمام القضاء، منْع نشر، حجْب معلومات، وحجْب مواد منشورة، ناهيك عن تشديد الرقابة على وسائل الإعلام التي لمسها عاملون وعاملات في تلك الوسائل، منهم من عبّر عنها ومنهم من فضّل الصمت والامتثال لواقع الحرّيات الصحافية في عهد الرزاز، واقع لم يُشبه حتى حكومة هاني الملقي التي أُسقطت شعبياً سعياً إلى انفراج في الحرّيات.

لا شك في أن ضربتين في الرأس تكونان موجعتين، خصوصاً عندما توالى التضييق على الحرّيات منذ بداية العام وتزامن مع أزمة فيروس كورونا وأوامر "قانون الدفاع" التي تطبّق حتى اليوم منذ بدء الأزمة، فالقانون الذي تخوّف حقوقيون منذ بداية سريان تنفيذه من أن يكون أداة تسلّط على رقاب الحرّيات، أثبت فعلاً خطورته على الحقوق والحرّيات، وهو ما ظهر من خلال سلسلة من الاعتقالات التي استهدفت منذ شهر آذار/مارس الماضي ناشطين وصحافيين، بحجج تتعلّق بخرق "قانون الدفاع" لأنهم عبّروا عن آرائهم، ما أثّر أيضاً على حدوث أي تحرك مطلبي على الأرض للمطالبة بالإفراج عنهم، لأنه يُخالف أوامر القانون إياه.

لم يقتصر سيف "قانون الدفاع" على تكميم الأفواه ومنع التعبير عن الرأي فقط، بل شمل أيضاً منع حقّ التجمّع السلمي. فبالصدفة، أكتب هذا المقال بعد أن قرأتُ خبراً عن منْع إقامة مجموعة من النسويات والحقوقيين سلسلة بشرية للمطالبة بوقْف العنف ضد المرأة وما يسمّى بـ "جرائم الشرف"، بعد حادثة مقتل فتاة أربعينية تدعى أحلام على يد والدها، مُنعت إقامة هذه الفعالية التي قد تكون ليست فقط مطلبية بل أيضاً بمثابة رثاء فتاة قضت وكانت ضحية لقوانين ظالمة في حياتها، وها هي اليوم ضحية لقوانين تحرمها من حقها بالحزن عليها في مماتها. كما علمتُ وأنا أنهي هذه السطور، بأن القيّمين على الفعالية حصلوا على "موافقة أمنية" لإقامتها، مع العلم أن قانون الاجتماعات العامة وبعد تعديلاته لا يشترط الحصول على موافقة أمنية، بل فقط الإشعار. ماذا يجري؟ أين نحن؟ السلسلة طويلة!

مشاركة الخبر