مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

الأردن: حرية الرأي والتعبير والقمع الذاتي!

السبت , ٢٢ آب ٢٠٢٠
لم أكن أنتظر تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" (Human Rights Watch) الذي صدر في الثامن عشر من الشهر الحالي والذي حمل عنوان "الأردن: قمع متزايد على الصحافيين"، لتثبيت الحالة التي أشعر بها مثل كثير من الزملاء والزميلات، صحافيين وصحافيات، في الأردن مؤخراً، حالة جعلت من شعارات كنّا نستخدمها مجازاً في السابق واليوم أصبحت حقيقة وواقع.
 
ففي السابق، وفي العشرة أعوام الأخيرة، كنّا في الوسط الصحافي الأردني عندما نحتج على قيود تمارَس على وسائل الإعلام، نصِف تلك القيود بأنها تكمّم الأفواه، وتكبّل الأيادي وتشلّ الأقلام، كانت تلك شعارات تحمل صفات مجازية، لكن اليوم، ودعوني أتحدّث عن نفسي فقط حرصاً على ألا ينزلق معي أحد من الزملاء والزميلات إلى حفرة الخطر مما أكتبه، بات فمي، حرفياً، مكمّماً ويداي عاجزتين عن الكتابة، وقلمي استكان داخل الدرج في مكتبي ويكاد حبره يجف وينشف من قلّة الاستخدام.

كلّنا في الأردن، مواطنون وصحافيون، وفور أن انطلقت صافرة تنفيذ أوامر قانون الدفاع التي أقرّتها الحكومة منذ بدء جائحة كورونا، علمنا مسبقاً وأدركنا أن تلك الأوامر لن تستخدم فقط لدواعٍ وقائية ودفاعية في خط الهجوم مع فيروس كورونا، وكلّنا لم نستبشر خيراً في تلك الأوامر، وتوقّعنا، بل جزمنا وأقسمنا، أنها ستكون ذريعة تحمل مسوّغاً قانونياً لتكبيل الحرّيات، كل الحرّيات!
 
في مقال سابق كنت قد استعرضتُ أبرز الانتهاكات التي طالت الحرّيات في عهد أوامر قانون الدفاع، وفي هذا المقال اسمحوا لي أن أنحاز إلى مهنتي وقلمي و"أفضفض" عن حالهما التي يرثى لها، لن أعود إلى تفاصيل القيود التي وقعت على الإعلام الأردني في أوائل فترة أوامر الدفاع و"بركاته"، بل سأعود إلى الزمن القريب جداً والذي جعلني كما ذكرت مكمّمة، مكبّلة، ومشتاقة إلى قلمي!
 
لم تنتظر الحكومة الأردنية أن "تزف" لوسائل الإعلام قرار منعها النشر في قضية نقابة المعلمين طويلاً، بعد أن قامت بإغلاق النقابة واعتقال مجلسها، بل في اللحظة نفسها لتنفيذها قرار الإغلاق واعتقال المعلمين، أصدرت تعميماً من قِبل النائب العام إلى وسائل الإعلام بمنع النشر والتعليق في القضية. صراحةً، استوقفتني هذه العجالة في القرار الأخير، وأخافتني أيضاً وأصابني الشعور ذاته الذي أصابني وكافة المواطنين عندما صدرت أوامر قانون الدفاع في شهر آذار الماضي... ولم أستبشر خيراً.
 
لست من أصحاب النظرة السلبية، أو الذين يجذبون طاقتها قبل وقوعها، كما أنني أيضاً لا أنظر إلى الحكومة كندّ لي أحرص على أن أتصيّد أي هفوة ترتكبها، لكنني عجزت عن أن ألمس أي جانب إيجابي أو حتى حيادي في قرارها في منع النشر في قضية المعلمين، وأدركت أنني لم أظلمها عندما تنبّأت بـ "الله يستر من اللي جاي"، ولعلّ الاعتقالات التي طالت زملاء صحافيين أثبتت أنني لست سلبية، فكل ما في الأمر أنني مثل كل مواطن أردني، بتنا نفهم كيف تفكّر الحكومة أو "حافظينها بصم".
 
لا شك أن توقيف صحافيين نشروا في قضية المعلمين، ومن ثم مثولهم أمام المحكمة، كان له دور كبير في "تكبيل" يديّ و"تكبير" خوفي من الكتابة في القضية، لكن ما سبّب عجزي وحرماني أكثر وأكثر من الكتابة في قضية تهمّ الشارع الأردني، هو الرقابة الذاتية التي فُرضت علينا كصحافيين ولم تنبع من ذواتنا، وبتّ أشعر أن حتى "اللايك" التي قد أضعها على منشور يتعلق بقضية المعلمين ستشكّل خطراً على أمني المهني، ولا أبالغ أنني ولأول مرة لازمني "وسواس" أن كل ما أنشره على حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي بات قيد المراقبة والتنقيح... باختصار أنا خائفة.
 
لم أعتب على الناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي وهم ينهالون بالانتقاد، وأحياناً الشتم، على وسائل الإعلام المحلية التي غابت، أو بالأحرى تم تغييبها، عن تغطية الاحتجاجات التي تبعت إغلاق نقابة المعلمين، لم أعتب ولن أعتب أيضاً فأنا أضع نفسي في مكان كل شخص وكيف ينظر إلى وسائل الإعلام التي من المفترض أن تكون مرآة واضحة ناصعة لصوت الشارع وهمومه وحتى صراخه، واليوم أصبحت أداة يتحكّم فيها المسؤول حسب رغباته ومزاجه... ومن المستحيل أن أعتب.
 
أذكر في العام 2012، أنني شاركت في مسيرة نظّمها الوسط الصحافي تنديداً بحجب مواقع إلكترونية، وأذكر جيداً وكأنه اليوم، أنني كنت رافعة قلمي عالياً أثناء المسيرة التي هتفت برفض تكميم الأفواه، وتقييد حرية الإعلام، لم أكن أعلم حينها أنني وبعد ثمانية أعوام سيكون حالي أصعب مما كان عليه في ذلك الوقت، ففي تلك اللحظات "العظيمة" كنت صحافية متخصصة في تغطية الحراكات الشعبية، وبدأت رحلة التخصص في إعلام حقوق الإنسان، ولم أكن أعلم أنني سأكون اليوم عاجزة عن الدفاع عن أبسط حق تعلّمتُ أهمية الحفاظ على "حرمته"، الحق في حرية الرأي والتعبير، وبالتأكيد لم أكن أتوقع أن قلمي الذي كنت أرفعه حينها يكاد اليوم يشبه الصنم... ولن يكون!

مشاركة الخبر