مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

فيروس كورونا في إسرائيل: المصابون في عيون الشاباك

الإثنين , ٢٥ أيار ٢٠٢٠

بعد أن وافقت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنظمة الطوارئ في منتصف شهر آذار/مارس 2020، والتي مكّنت جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" من الاستفادة من البيانات الخلوية، وبطاقات الائتمان، ووسائل رقمية أخرى لتعقُّب تحرّكات الأشخاص المُصابين بفيروس كورونا في إسرائيل، ومن دون الحاجة إلى أمر قضائي، أثارت جمعيات حقوقية ضجة كبيرة معتبرة أن ذلك يُعدّ انتهاكاً لخصوصية المواطنين ومساً بالحرّيات الجماعية والفردية. فبادر عدد منها إلى تقديم الشكاوى أمام محكمة العدل العليا الإسرائيلية، ومن ضمنها مركز "عدالة" وجمعية حقوق المواطن، فأصدرت المحكمة قراراً بتاريخ 30 نيسان/أبريل ترفض فيه الاستمرار في هذا الإجراء ما لم تبدأ عملية تشريعية لترسيخه بالقانون، لكنها استثنت الصحافيين وذلك حماية وحفاظاً على سرية المصادر الصحافية. ومع ذلك منحت المحكمة الحكومة الحق في المصادقة على تمديد تدابير التتبّع لأسابيع عدّة بشرط أن تبدأ العملية التشريعية.

وأوضحت المحامية في مركز "عدالة" سهاد بشارة لمراسلة "سكايز" حيثيات الشكوى التي قدّمها المركز أمام المحكمة العليا، فأشارت إلى أن "الحكومة الإسرائيلية منحت التفويض للشاباك من خلال أنظمة الطوارئ لمراقبة الهواتف الخلوية وبطاقات الائتمان لمرضى كورونا والمحيطين بهم، من دون صلاحيات قانونية، وهذا التفويض يمسّ بالحقوق الأساسية للمواطن. لذلك قدمنا شكوى أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، لكن النيابة ادّعت ان استخدام التفويض كان قانونياً لمحاربة انتشار كورونا. نحن أعربنا عن معارضتنا لاستخدام الشاباك وسائل تعقّب واستخدام أنظمة الطوارئ في مواجهة كورونا، نظراً إلى أن طبيعة عمل الشاباك بموجب القانون أمنيّة، وطريقته في العمل غير شفّافة، وهذا الأمر يمسّ بحقوق المواطنين وبالخصوصية والكرامة بشكل خطير وكبير، عدا عن أن التفويض يخلق أيضاً إشكاليات أخرى مثل انتهاك السرّية بين الطبيب والمريض، المحامي والزبون وأمثلة كثيرة أخرى".


أضافت: "على الرغم من القرار الصادر بقبول ادّعاءاتنا، إلّا أننا في مركز "عدالة" ننظر بعين القلق إلى فترة تمديد تدابير التتبّع التي قد تصل لأسابيع عدّة، والتي تسمح للحكومة بالعمل من دون رقابة وتكون لها فيها صلاحيات واسعة، والقرار الذي يُتيح استمرار وضع غير قانوني يُمكن أن يمسّ بحرية الأفراد وهو يتنافى مع الأساس الدستوري الذي ترتكز عليه حقوق الانسان".

 

المحكمة العليا تستثني الصحافيين لحماية مصادرهم

وقيّدت المحكمة الإسرائيلية العليا بتاريخ 26 نيسان/أبريل 2020، تعقُّب "الشاباك" للصحافيين من أجل الحفاظ على سرّية مصادرهم، ونصَّ القرار على أن "مراقبة الصحافيين الذين تأكدوا من إصابتهم بالفيروس لا يمكن أن تتم إلا بموافقتهم من أجل حماية مصادرهم، وفي حال رفض الصحافي منح بياناته للشاباك، يمكنه التوجه للمحكمة خلال 24 ساعة للحصول على أمر يمنع نقل البيانات، لكن على الصحافي أن يلتزم خلال الاستقصاء الوبائي لوزارة الصحة بأن يبلغ مصادره الذين كان على تواصل معهم بنفسه خلال الأسبوعين بأنه مريض كورونا".

وفي هذا الإطار، لفت عضو مجلس إدارة منظمة الصحافيين ورئيس لجنة النهوض بالصحافيين العرب في إسرائيل ياسر العقبي لمراسلة "سكايز" إلى أن "قرار المحكمة العليا الإسرائيلية هو قرار غاية في الأهمية، لأنه وضع النقاط على الحروف مرة أخرى بكل ما يتعلّق بالحفاظ على سرّية المصادر الصحافية، نظراً إلى أنها أحد الشروط الأساسية لحرية الصحافة. إن قرار المحكمة يمنح ختماً نهائياً بأن السلطات لا تستطيع تعقُّب الصحافيين حتى في حالات الطوارئ، ابتداء من الحروب إلى أوضاع استثنائية أخرى كما هو الحال بالنسبة إلى جائحة كورونا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه، كيف يُمكن أن تتم مراقبة تنفيذ هذا القرار من قِبل السلطة القضائية، خاصة وأننا نعلم أن جهاز الأمن العام يعمل عادة في الظل وبسرية تامة؟".

 

تقنيات المراقبة عبر تكنولوجيا "مكافحة الارهاب"

في ظل ازدياد أعداد المُصابين بفيروس كورونا في إسرائيل، والذي وصل حتى كتابة هذا التقرير الى أكثر من 16650 حالة مؤكدة، تتوسّع رقعة المراقبة للمُصابين والأشخاص الذين كانوا على اتصال معهم، في ظل تأكيد السلطات الإسرائيلية على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو "استخدام بلاده تكنولوجيا تتبع مكافحة الإرهاب"، والتي استخدمتها لسنوات لتتبّع تحركات الفلسطينيين ومراقبتهم، وذلك بهدف تقليل مخاطر انتقال فيروس كورونا.

 

وعلّق مدير "حملة" - المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي نديم ناشف، لمراسلة "سكايز" على ما يجري قائلاً: "لا يوجد أي مراقبة شرعية تجري في وضع احتلال بالسياق الفلسطيني، لكن إن افترضنا أننا نتحدث عن دولة ديموقراطية ونظام آخر ليس قمعياً، فإن نقطة التوازن بين المصلحة العامة في حال انتشر وباء، أولاً في الدول التي تحافظ على الحريات، أن تقوم بالمهمة هيئة مدنية، على سبيل المثال وزارة الصحة التي تمتلك مخزون المعلومات. والأمر الثاني هو المدة التي يتم فيها حفظ هذه المعلومات، ففي كثير من الدول يتم تحديدها بـ30 أو 60 يوماً، وبعد ذلك يتم محوها. والأمر الثالث يتعلّق بمن هو المخوّل الاطّلاع على هذه المعلومات، هل هو موظف وزارة الصحة، أم أي جهاز أمني أو مخابراتي؟ هناك قيود متبعة دولياً للقيام بالأمر بطريقة متوازنة تراعي مصلحة الصحة العامة واحترام خصوصيات الناس".

 

وأشار إلى أن "المشكلة لدينا أن بنك المعلومات الذي شكّلته الحكومة الإسرائيلية والذي يشمل الفلسطينيين بالداخل، تطّلع عليه جميع الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهذا أمر إشكالي. تتحدثون عن محاربة وباء، فلماذا جميع هذه الأجهزة تطّلع على هذه المعلومات؟ هذه قضية حساسة، لأنه من الممكن أن تقوم الشرطة بتقديم لائحة اتهام لشخص معيّن، تذكر أنه تواجد بمنطقة معينة في إطار ليس له علاقة بالوباء". 

 

وتابع: "في ما يتعلق بمراقبة العمّال الفلسطينيّين من الضفة الذين يعملون في إسرائيل، فمنذ بدء أزمة كورونا وإغلاق مكاتب خدمات الإدارة المدنية، تمّ الضغط عليهم وإجبارهم على استخدام تطبيق خاص للهواتف النقّالة يُعرف بـ"المنسق" للقيام بإنهاء المعاملات بكل ما يتعلق بتصاريح العمل والبطاقات الممغنطة. وبحسب ما تبيّن من التقرير الصادر في جريدة هآرتس، فإن التطبيق هو من النوع الذي يستغلّ صلاحيات كثيرة من الهواتف، أي أنه يخترق أموراً كثيرة في الجهاز، مثل الدخول إلى الصور والكاميرا وغيرها. الصحيفة جرّبته وتبيّن لها اختراقه عدداً من الصلاحيات. نحن هنا أمام وضع يطالب فيه الاحتلال العمال الفلسطينيين بإدخال جاسوس صغير إلى هواتفهم، ويوجد هنا اختراق هائل للحقوق الرقمية للمواطنين الفلسطينيين ويجب ألا يتم فرضه بهذه الطريقة، وجميع المؤسسات الحقوقية توصي بعدم إنزال التطبيق على الهواتف، كأنك أدخلت جاسوساً صغيراً على هاتفك حتى يطّلع على جميع معلوماتك". 

 

وختم قائلاً: "من الواضح ان الحكومات أخذت الشرعية بالعمل كيفما شاءت نتيجة الخوف والهلع الذي شعر به الناس، وإن الإجراءات التي تمّ اتخاذها نالت الشرعية الكاملة باعتبار أنها دفاع عن المواطنين وحياتهم وصحتهم، لكن يوجد فرق بين حكومات قامت بأمور مع قيود سواء من ناحية مدة المراقبة أو الأشخاص الذين يطّلعون على هذه المعلومات، وأي جهات تستخدم المعلومات المذكورة، وبين حكومات قامت بتشريعات وأنظمة جديدة مفتوحة من دون تقييد والتي سيتم استخدامها لانتهاك حرية الناس وحقوق المواطنين وستستمر إلى ما بعد أزمة كورونا أيضاً". 

يبدو أن إسرائيل ومن خلال تطبيق أنظمة الطوارئ خلال جائحة فيروس كورونا قد حصلت على حجة جديدة ليس فقط لمراقبة مواطنيها بل للاستمرار بالتجسّس وملاحقة الفلسطينيين، مستخدمة تقنيات قديمة - جديدة تستخدمها عادة في "مكافحة الارهاب"، وذلك بالسماح لجهاز "الشاباك" بتعقّب المصابين بالفيروس، في انتهاك واضح للخصوصية والحريات الرقمية، الفردية والجماعية.

مشاركة الخبر