مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

كيف يُصنع إعلام النظام السوري؟ (2/4)

الخميس , ٢٥ تشرين الأول ٢٠١٢

نسلّط الضوء اليوم، في سياق ملف "كيف يُصنع إعلام النظام السوري؟"، على أهم وسيلة إعلامية من ناحية التأثير في الرأي العام على الساحتين الداخلية والخارجية على السواء، وهي التلفزيون بشقيه الرسمي والخاص. وقد كنا تطرقنا في البداية الى الراديو والصلاحيات التي أُعطيت للاذاعات التي كانت مهمشة نهائياً سابقاً. فماذا يخبّئ النظام السوري من "تكتيك" ومفاجآت خلف الشاشة الصغيرة؟

لقد كان التحالف بين التلفزيون السوري الرسمي وقناة "الدنيا" كوسائل إعلام من جهة والمؤسسة العسكرية والأمنية من جهة أخرى، واضح المعالم لجميع المتابعين للواقع الميداني في البلاد. وعملت جوقة الإعلام الحربية تلك كفيلق آخر يدعم وينقل كل الصور التي من شأنها أن تثير مشاعر الانتقام لدى السوريين، والأقليات في شكل خاص، حيث تلاعبت بمشاعرهم منذ بدايات الثورة من خلال إظهار عدد كبير من الصور الوحشية لما تسميه "عمليات العصابات الإرهابية المسلحة ضد مؤسسات الدولة"، ومن ثم أصبحت تلك الصور الوحشية، والتي أضحت أكثر بشاعة من خلال التركيز على الأجزاء المقطوعة من الأجساد، تأتي تحت مسمى استهداف العصابات الإرهابية نفسها للمدنيين في مناطق ذات خصوصية طائفية.

وربما كان تقرير قناة "الدنيا" حول مجزرة داريا غربي دمشق والتي راح ضحيتها العشرات، والذي سُجل مع ضحايا المجزرة، ختماً نهائياً على لامهنية المؤسسات الإعلامية التابعة للنظام، فقد بثت مقاطع مريعة لقتلى منهم أطفال ونساء وشيوخ وشباب في حين رفضت معظم قنوات الإعلام العالمية بثها لخدش الشعور الإنساني، وهذا تجاوز لكل الأعراف الإعلامية الإنسانية والعالمية، كما تم إجراء لقاءات مع أفراد بين الموت والحياة وهم ما زالوا ينازعون آخر أنفاسهم، مثل السيدة التي قضت عقب يومين من اللقاء والتي حققت معها مقدمة التقرير في المقبرة عن حياتها وكيف وصلت إلى هنا وبرفقة المقدمة عدد كبير من عناصر الجيش وبالطبع لا أحد يعرف كم مرة أعادت المعدّة التسجيل مع السيدة النازفة؟ والتي كانت قد أصيبت بعدد من الرصاصات في ظهرها وربما لو تم نقلها إلى المستشفى لبقيت على قيد الحياة ولكن القناة فضلت أن تشارك بقتلها لتعد تقريرها الدامي.

ويبقى السؤال :"كيف يصنع هذا الإعلام؟ ومن يصنعه؟ من يعطي التعليمات لإنجازه؟"، جميع هذه الأسئلة لها إجابات ربما لا تكون كاملة لعدم شفافية هذا الإعلام، ولكن الذين انشقوا عنه فضحوا أساليبه وطرقه، ومن المنشقين الذين لم يعلنوا انشقاقهم إلا لاحقاً، معدّة البرامج فاتن العجان، وهي واحدة من أقدم موظفي التلفزيون السوري.

تحدثت العجان الى مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية "سكايز" (عيون سمير قصير)، عن الأسلوب المتبع في تغطية أخبار الثورة في سوريا، حيث تجلب كل الأخبار وتحرر من موقع وكالة الأنباء الوحيدة في البلاد أي "سانا" وفي حال هناك خصوصية معينة مثلا لمنطقة تعرضت لتفجير يُختار بعناية المحرر والمصور اللذين يتوجب أن يعدّا التقرير حول الحدث، حيث وبحسب العجان يجمع بالتعاون مع الأمن والجيش في تلك المنطقة عدد من مؤيدي النظام وفي أغلب الأوقات يتم استدعاء عدد منهم كأنهم "كومبارس" الى مكان الحدث ويحشرون في موقع التصوير ليصور التلفزيون بأن الحياة عادت إلى طبيعتها مثلا ويلتقي مع عدد منهم فيصرح بما هو متفق عليه أصلاً أمام الكاميرا.

وليس بعيداً جداً عن تلك الكاميرا تكون الكوارث من اعتقال او قتل أو جرحى مهملون على قارعة الطريق، من دون أن تراها عدسة التلفزيون الرسمي السوري أو من يعمل تحت جناحه.
 وتستمر العجان برواية شهادتها حيث تنقل ما كان يصلها من مصورين تم استدعاؤهم لتصوير "الارهابيين" في الفروع الأمنية ليقسموا بأنهم عندما ينتهون من التصوير ويجمعون معداتهم ليخرجوا يرون من كان إرهابياً أمام الكاميرا يخرج من باب الفرع وكأن شيئا لم يكن.

وعن التفجيرات وطريقة تصويرها، بحسب شهادة العجان ومن أسرّ لها، فإن ترتيباتها تتم في المكتب الصحفي التابع للقصر الجمهوري، حيث تأتي التعليمات بتجهيز وحدة بث مباشر ولحظة حدوث التفجير تتوجه إلى المكان فوراً وهذا يفسر وصول التلفزيون السوري إلى ساحة الحدث قبل وصول سيارات الاسعاف في كثير من الحالات كتفجير كفرسوسه والميدان في دمشق.

ولا تختلف كل القصص عن بعضها بل تتفق جميعها على أن التلفزيون السوري وقناة الدنيا أول الحاضرين إلى مكان الحدث وبسرعة كبيرة، رغم البيروقراطية الأمنية والإدارة التي تحكم هاتين المؤسستين، بحيث لا يمكن أن تتحرك كاميرا اليوم في دمشق من دون موافقة أمنية مسبقة، فمن أين لهم هذه السرعة؟.

تقارب تقارير قناة "الدنيا" مضافاً إليها تغطية التلفزيون السوري الرسمي، ما يمكن تسميته الإجرام الإعلامي المتمثل بتزوير الحقائق وهذا منذ اليوم الأول للثورة في سوريا بل تذهب الى حدّ مشاركة المؤسسة الأمنية في عملها وقد تكون عبارة أحد المواطنين في مدينة داريا الذي تحدث أمام كاميرا يرافقها عناصر الفرقة الرابعة خير برهان، حيث قال للمقدمة "شعرنا بالأمان بعد وصولكم" ولم يميّز بين الجيش وقناة "الدنيا". وتأتي شهادات صحافيين انشقوا عن تلك القنوات والمؤسسات الإعلامية لتؤكد ما سبق.

فالمصور المنشق عن قناة "الدنيا" يونس اليوسف، أكد في تصريحاته أن عملهم في القناة كان يتم بتنسيق مباشرة مع جيش النظام والمؤسسات الأمنية حيث كانوا على ارتباط وثيق بهم وكانوا لا يذهبون إلى أي مدينة أو قرية للتصوير فيها إلا وعناصر هذه المؤسسات معهم. وأفادت مصادر داخل القناة أنهم يعملون بالتنسيق المباشر مع المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية ومنه يتلقون الأوامر وخاصة في تغطية ما يسمى التفجيرات الإرهابية أو إتمام بعض الفبركات الإعلامية أو إجراء لقاء مع ما يسمونهم عناصر إرهابية.

وهكذا تكتمل صورة الإعلام المرئي للنظام السوري وآليات صناعته الأمنية بامتياز، حيث تحولت مكاتب الفروع المخابراتية إلى غرف إخبارية أو ورش لإعداد السيناريوهات الواجب بثها للعامة، وهذا حال قاعات وغرف التلفزيون الرسمي وتلفزيون "الدنيا" على حد سواء.

مشاركة الخبر