الرجاء إدخال البريد الالكتروني للحصول على رمز تأكيد التنزيل.
أدخل رمز التأكيد
يرجى ملء الحقول أدناه، ومشاركتنا رابط المقال و/أو تحميله:
يرجى إستعمال الملف ك pdf, doc, docx
مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

"إتبع الأموال": القنوات غير الرسمية لتمويل وسائل الإعلام اللبنانية

الثلاثاء , ٠٥ أيلول ٢٠٢٣
Design: Marc Rechdane

يُعتبر الإعلام إحدى الجهات الرئيسية التي تُساهم في تشكيل الرأي العام. فهو يحرص على إطلاع المواطنين على التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويؤدّي دوراً مهمّاً في تأكيد صحة الآراء المتداولة، أو نشر الروايات أو السرديات الجديدة.

يُعرف لبنان بتنوّع قطاعه الإعلامي. فهو يضمّ ثماني محطات تلفزيونية وأكثر من 40 محطة إذاعية، بالإضافة إلى 110 وسائل إعلامية مطبوعة مرخّصة. وقد شهدت الآونة الأخيرة فورةً في منصّات الأخبار الرقمية، ممّا يعكس تنوّع الخيارات السياسية والاجتماعية. مع ذلك، عند إمعان النظر، يتّضح لنا أنّ قطاع الإعلام يعكس واقعاً آخر، يسعى فيه السياسيون الطائفيون وأصحاب المصالح إلى تشكيل الرأي العام. ولما كان المواطنون يميلون إلى استهلاك وسائل الإعلام التي تتوافق مع آرائهم السياسية، يُعزّز هذا الأمر معتقداتهم وتحيّزاتهم، ممّا يؤدّي إلى المزيد من الاستقطاب خاصةً في أوقات الأزمات.

يُعدّ تحليل ملكية وسائل الإعلام وهيكل إيراداتها خطوةً ضرورية، خاصةً وأنّ الإعلام يؤثّر على السرديات وعلى الخطاب العامّ المتعلّق بالأحداث السياسية. على أرض الواقع، وقعت وسائل الإعلام تحت تأثير مجموعات نافذة اقتصادياً – مثل القطاع المصرفي – وتمّ استغلالها لنشر معلومات مضلّلة عن الاقتصاد والإصلاحات التي يُعتبر لبنان بأمسّ الحاجة إليها، وِفق ما أظهرته التغطية الإعلامية لخطة التعافي المالي الخاصة بصندوق النقد الدولي في الآونة الأخيرة.

بالرغم من بعض الأنظمة والتشريعات مثل قانون الصحافة (1962) وقانون الإعلام المرئي والمسموع (1994)، ليس للدولة اللبنانية سيطرة تُذكر على وسائل الإعلام. فتميل هذه الوسائل إلى الاعتماد على المستثمرين السياسيين أو الأجانب، وبالتالي، تتمتّع الأحزاب السياسية من خلال ذلك بالقدرة على التأثير على وسائل الإعلام الرئيسية، وتأطير المعلومات على نحوٍ يصبّ في صالحها.

يوجِد هذا الأمر مشكلةً هيكليةً في النظام الإعلامي. فلا تُبدي وسائل الإعلام اهتماماً كبيراً بإنتاج صحافة جيّدة لزيادة نسبة القرّاء أو المشاهدين، طالما أنه بمقدورها الاعتماد على كبار المستثمرين لتأمين إيراداتها. ومع أنّ قانون الصحافة (1962) يمنح وزارة الإعلام سلطة مراقبة الشؤون المالية لوسائل الإعلام، والتأكد من أنها تجني أرباحها من الإعلانات والاشتراكات والمبيعات فقط، إلا أنها فشلت في القيام بذلك، وحافظت بالتالي على حالة من انعدام الشفافية في تمويل وسائل الإعلام وهيكل إيراداتها.

في ضوء ذلك، يهدف هذا التقرير إلى تحديد مصادر الإيرادات السياسية والتجارية لقطاع الإعلام اللبناني. سعياً إلى تحقيق هذه الغاية، يُقيّم التقرير تكاليف التشغيل والإنتاج الخاصة بوسائل الإعلام، والإيرادات التجارية المتأتّية عن الإعلانات، فضلاً عن قنوات التمويل غير الرسمية الأخرى، مثل الاستثمارات الخاصة والسياسية والأجنبية. بهذه الطريقة، يمكننا فهم هيكل قطاع الإعلام في لبنان بشكل أفضل.

أجرت "مبادرة سياسات الغد" ثماني مقابلات نوعية مع صحافيين، وعاملين في وسائل الإعلام، وخبراء في القطاع الإعلامي، وموظفين في شركات استشارية، وخبراء في سوق الإعلانات اللبنانية. جدير بالذكر أنّ تحليلنا يعتمد على بيانات تمّ الحصول عليها من نقابة وكالات الإعلان في لبنان، حول الاستثمارات الإعلانية في قطاع الإعلام التي سُجّلت خلال العقد الماضي، بالإضافة إلى قيمة الفقرات الإعلانية على التلفزيونات؛ وهي بيانات مصنّفة وِفقاً للمحطات التلفزيونية والعملاء، تمّ الحصول عليها من شركة "إبسوس".


يُظهر التقرير أنّ عائدات الإعلانات غطّت أقلّ من 10٪ من تكاليف تشغيل قطاع التلفزيون منذ بداية الأزمة، حيث انخفضت من 80 مليون دولار تقريباً في عام 2018 إلى 9 ملايين دولار في عام 2022. ويُلاحظ الاتجاه نفسه في قطاعات أخرى من وسائل الإعلام، ممّا يُشير إلى أنّ هذه الثغرات قد سُدّت من خلال مصادر أخرى للتمويل غير الرسمي.


مع ذلك، من الصعب التحقيق في مصادر التمويل الأخرى هذه، خاصةً وأنّ تمويل قطاع الإعلام غير شفّاف. فلم تُظهر وسائل الإعلام استعداداً حقيقياً لمشاركة معلومات حول هيكل إيراداتها ومموّليها.


في نهاية الأمر، تبيّن لنا أنّ قطاع الإعلام اللبناني قد استفاد من عدّة مصادر للإيرادات غير الرسمية وذات الدوافع السياسية، ومنها استثمارات القطاع المصرفي، والأرباح الكبيرة المتأتّية عن الانتخابات النيابية، والقروض التسهيلية التي قدّمها مصرف لبنان في عام 2016. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن المؤسسات الإعلامية قد استُخدمت، بحسب بعض المزاعم، كوسيلة للتهرّب الضريبي وتبييض الأموال.


خلّف هذا الأمر تبعاتٍ هائلةً على إمكانية الوصول إلى المعلومات غير المنحازة. فلا يخفى على أحد أنّ اعتماد وسائل الإعلام على التمويل من القطاع المصرفي والأحزاب السياسية يُجبرها على الترويج لرواية معيّنة عن الأحداث، ممّا يؤدّي إلى الحفاظ على الوضع الراهن. علاوةً على ذلك، لكي تحافظ النخب السياسية والمالية على هيمنتها على الخطاب العامّ، عليها تقويض وسائل الإعلام المستقلّة التي باتت ضحية الدعاوى القضائية والترهيب والتهديدات. فمهّد هذا الواقع الطريق أمام الانتقاص من حرية التعبير.


يتكوّن هذا التقرير من أربعة أقسام. الأوّل يُسلّط الضوء على كيفية تأثّر قطاع الإعلام بالأزمة المالية وكيف أثّر ذلك على تكاليف التشغيل والإنتاج والقدرات البشرية. ويُركّز القسم الثاني على سوق الإعلانات، خاصةً وأنّ عائدات الإعلانات تشهد انخفاضاً حادّاً منذ بداية الأزمة المالية. كما يُركّز التقرير أيضاً على قطاع التلفزيون ويُبيّن مدى سيطرة المؤسسات المالية والأحزاب السياسية على الإعلانات في عامَي 2018 و2022. أمّا القسم الثالث، فيُركّز على مصادر التمويل غير الرسمية، ومنها الاستثمارات الخاصة والسياسية. وأخيراً، يعالج التقرير الآثار التي تُخلّفها مصادر التمويل هذه على حرية التعبير.

مشاركة الخبر