مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

حِرفٌ من أجل التأثير : دعم الحِرف كعامل في تحقيق التنمية الاجتماعية - الاقتصادية والثقافية

الخميس , ١٨ شباط ٢٠٢١

تُعدّ الحِرَف تقليداً راسخاً في لبنان: ومنها الحياكة، والتطريز والصناعات النسيجية، ونفْخ الزجاج، والزخرفة على الخشب، وتصنيع النحاس وغيرها كثير. لكنّ هذا القطاع فَقَدَ، في عصرنا الحديث، جزءاً من ألقه ومجده السابق. فقد أخذ المنتجون يصبّون تركيزهم على المواد المنتجة على نطاق واسع والتي تُعتبر، فوق ذلك، أقلّ كلفةً من الصناعات الحِرفية بشكل عام. ومع النموّ السريع للأسواق العالمية، تدفقت على لبنان المنتجات الحديثة الأقلّ كلفةً، والمصنّعة في أماكن ذات يد عاملة رخيصة الثمن وتكاليف إنتاج متدنية، مثل الهند والصين. يهدّد هذا الأمر باختفاء قطاع الحِرف تدريجياً، خاصةً وأنّ هذا القطاع المرتبط عضوياً بمجتمعات محلية بأسرها يمثّل عنصراً أساسياً من عناصر التراث. كما تتمتّع الحِرف في لبنان، بالإضافة إلى محافظتها على التراث ونقله من جيل إلى آخر، بإمكانية أداء دور أساسي في تطوير الاقتصاد. يكتسب هذا الأمر دلالةً أكبر في وقت تمرّ فيه البلاد بأزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة، حيث لم يعد بمقدور الجزء الأكبر من السكان تكبّد أسعار المنتجات المستوردة، وحيث تزداد عملية الاستيراد تعقيداً بفعل الضوابط المفروضة، بحكم الواقع، على رأس المال. إلى جانب ذلك، يشهد العالم، منذ بضع سنوات، توجّهاً عاماً نحو العودة إلى التجارة العادلة، والاستهلاك الأخلاقي، والحِرف اليدوية، فضلاً عن طلب على المنتجات التي تحمل في طيّاتها قصةً ما.

تتطلّب الحِرف استثماراً مالياً منخفضاً، ويمكن أن تشكّل وسيلةً مهمّةً لتوليد فرص العمل والمداخيل، وتخفيف وطأة الفقر، وتأمين النمو الاقتصادي، إذا ما أحيطت بما يكفي من الاهتمام وخضعت للإدارة والتطوير المناسبَين. ومع أنّ مبادراتٍ كثيرةً أُطلقت في الماضي دعماً لهذا القطاع، ومعظمها من تمويل منظمات أجنبية لفترة قصيرة، إلا أنها بقيت محاولات مشتّتة وغير منسّقة. فضلاً عن ذلك، تمّ نشر عدة دراسات حول القطاع، من دون أن يسفر ذلك عن اتّخاذ أي إجراء إضافي. لذا، في غياب هيئة مركزية عامة تعترف بأهمية القطاع وقيمته الاقتصادية والاجتماعية، وتوجد الزخم اللازم والبيئة المتماسكة والواضحة بالنسبة إلى هذه الصناعة، ستكون فرص الاستفادة من كامل إمكانياته متدنية جداً. جديرٌ بالذكر أنّ هذا القطاع يندرج، منذ سنوات، ضمن مهام وزارة الشؤون الاجتماعية ومسؤولياتها؛ لكن لم يُقدَّر حقّ قدره ولم يُستغل بشكل كافٍ لكي يصبح قطاعاً إنتاجياً وعاملاً لتحقيق التماسك الاجتماعي. هنا، تجدر الإشارة إلى أنّ الدستور اللبناني يعترف، في مقدّمته، بأنّ الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركنٌ أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار المجتمع.

يتمتع لبنان بالهيكليات المناسبة، فضلاً عن العلاقات الدولية، التي تمكّنه من الاستفادة من إمكانيات قطاع الحِرف. لكن ثمة حاجة إلى استغلال هذه الهيكلية والاستفادة منها بشكل أفضل. من هذا المنطلق، يتمعن هذا البحث في الوضع الحالي للحِرف اللبنانية والتحديات التي تواجهها، كما يقدّم اقتراحاتٍ لاستراتيجيات وإجراءات مناسبة لتطوير القطاع. وكلنا أمل أن يشكّل البحث خارطة طريق لصنّاع القرار المتطلعين نحو الإصلاح، إذا ما أَعطوا الأولوية للسياسات التي تحسّن الظروف الاجتماعية وتُحيي التراث المحلي.

المؤلفة: نيكول حاموش
المستشارة القانونية: ليال صقر
المتابعة: سارة جاكان - مؤسسة سمير قصير
الإشراف: رندى الأسمر - مؤسسة سمير قصير

مشاركة الخبر