مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية - سكايز - مؤسسة سمير قصير

تصنيف حرية الصحافة 2020: هدوء وهمي في الشرق الأوسط

الثلاثاء , ٢١ نيسان ٢٠٢٠
يزداد المشهد قتامةً في الشرق الأوسط، حيث شهد هذا العام تقهقر العراق إلى المنطقة المظلمة على خريطة حرية الصحافة. فبعدما سُجِل انخفاض طفيف في عدد الانتهاكات، تبددت آمال الهدنة مع موجة القمع العنيف للمظاهرات الشعبية واستئناف العمليات العسكرية المُركَّزة بشكلٍ مستمر وتشديد قبضة الأنظمة الاستبدادية.

إذا كانت الحروب التي تمزق الشرق الأوسط قد خلّفت خسائر أقل في الأرواح خلال الأشهر الـ 12 الماضية، فإن هذه المنطقة من العالم لا تزال تسجل أكبر عدد من القتلى في صفوف الصحفيين. ورغم أن المنطقة شهدت انخفاضاً على مستوى العنف وانعدام الأمن في ظل الصراعات التي تعصف بها، فإن هذا الهدوء النسبي لم يُعمر طويلاً، حيث مازال الصحفيون ووسائل الإعلام يواجهون شتى أنواع التهديدات، سواء في سياق تدخل تركيا في كردستان سوريا أو الهجوم العسكري على إدلب، شمال غرب سوريا ( المرتبة 174 عالمياً)، أو اندلاع موجة احتجاجات في مختلف دول المنطقة أو استمرار الانحراف الاستبدادي لدول معينة.

 

المرجو عدم الإزعاج، نحن بصدد حبس الصحفيين!

 

عندما لا يكونون في البلدان التي تمزقها الحرب، فإن الصحفيين يحظون بأمان نسبي، ولكنهم يواجهون في المقابل سيطرة متزايدة من قِبل السلطات القائمة، علماً أن الخناق يشتد بقوة في بعض البلدان التي تئن تحت وطأة الأنظمة الاستبدادية. وفي هذا الصدد، إذا كانت المملكة العربية السعودية (170؛ +2) ومصر (166؛ -3) معروفتان بكونهما دولتان مستقرتان وحليفتان للغرب، فإنهما تشتهران في المقابل بكونهما أكبر السجون بالنسبة للصحفيين في العالم، بعد الصين.

 

وقد شددت هذه الأنظمة الاستبدادية قبضتها على المعلومات منذ اندلاع أزمة فيروس كورونا. فبعد أن أقدمت السلطات المصرية في سبتمبر/أيلول 2019 على أكبر موجة اعتقالات في أوساط الصحفيين منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى سُدة الحكم في عام 2014، ها هو النظام يستخدم الآن ترسانته التشريعية المتعلقة بمكافحة الإرهاب لتشديد الخناق على الصحفيين، وخاصةً منذ بداية هذه الجائحة، حيث تكفي ذريعة "نشر أنباء كاذبة" لتبرير حجب الصفحات والمواقع الإلكترونية، بل وقد وصل الأمر في بعض الحالات إلى درجة سحب بطاقات الاعتماد من الصحفيين الذين يشككون في الحصيلة الرسمية.

 

الأخبار تحت وطأة المراقبة

 

يتم اللجوء لشتى الوسائل والسبل للسيطرة على المعلومات. فقبل الأزمة الصحية المرتبطة بفيروس كورونا، لم تتردد السلطات المصرية في نقل التعليمات إلى وسائل الإعلام وتزويدهم بالبيانات الصحفية الرسمية الواجب نشرها بمناسبة وفاة الرئيس السابق محمد مرسي في يونيو/حزيران 2019. 

 

وفي المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية، فإن وكالة الأنباء الحكومية سانا هي المصدر الوحيد والحصري لجميع المعلومات المتداولة. فمنذ ظهور كوفيد-19، عزّزت وزارة الصحة السورية سيطرتها على المعلومات الواردة من الوكالة الرسمية فيما يتعلق بالأخبار المرتبطة بالوباء. ذلك أن مجرد التلميح أو الإشارة بما قد يشبه النقد لحالات المصابين أو الفساد أو الفقر من شأنه أن يكلف الصحفيين، حتى أولئك الأكثر ولاءً للحكومة، استدعاءً من قِبل المخابرات والسجن إلى أجلٍ غير مُسمَّى، كما كان الحال بالنسبة لوسام الطير، المُقرَب جداً من بشار الأسد، الذي حُبس لعدة أشهر لمجرد حديثه عن زيادة أسعار الوقود.

 

ولا تتوقف محنة وسائل الإعلام عند هذا الحد. فهي عُرضة للمراقبة عن كثب في العديد من الأحيان، وذلك عن طريق أساليب متطورة في عملية القرصنة والتجسس. فقد جمعت السلطات السعودية معلومات شخصية من آلاف حسابات تويتر التابعة لأشخاص يُعتبرون معارضين، بل وقد طالت هذه الممارسات هاتف جيف بيزوس، مالك صحيفة واشنطن بوست، التي كان يكتب لها الصحفي السعودي المغتال، جمال خاشقجي.

 

موجة القمع في مواجهة رياح الاحتجاج

 

على نحو غير متوقع، شهدت منطقة الشرق الأوسط في النصف الثاني من العام موجةً من المظاهرات الاحتجاجية، لا سيما في لبنان (102؛ -1) والعراق (162؛ -6)، الذي تُدحرج إلى المنطقة السوداء في التصنيف العالمي. فمنذ بداية أكتوبر/تشرين الأول 2019، أصبحت وسائل الإعلام العراقية التي تنقل صورة السخط الشعبي مُستهدفةً بشكل خاص من قِبل السلطات والميليشيات وقوات الأمن، التي لا تتوانى عن إطلاق الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين. وفي خِضم هذا المناخ العدائي، أقدمت الهيئة التنظيمية لوسائل الإعلام على تعليق بث ما لا يقل عن عشر قنوات، ناهيك عن حظر أي نقل مباشر، مع تعطيل خدمة الإنترنت في العديد من المناسبات. 

 

ويُلاحَظ أن هذا النموذج القمعي مستوحى إلى حد كبير من الممارسات المعمول بها في إيران (173؛ -3)، حيث يتم قطع شبكة الإنترنت مِراراً وتكراراً، بينما تتيح الآلة القمعية للنظام فرض ما يُسمى بـ"الإنترنت الحلال"، الذي يمكِّن السلطات من السيطرة على المعلومات، كما كان الحال عند اندلاع موجة احتجاجات شعبية كبيرة في البلاد. هذا وقد أدى إنشاء اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية، الذي يضم أكثر من 200 محطة حول العالم، إلى نشر الدعاية الإيرانية و"الأخبار الزائفة" خارج الحدود الوطنية.

 

هذا وقد ساهمت مختلف الحراكات الاحتجاجية في تفاقم وتيرة الاستقطاب بين الأوساط الإعلامية وإذكاء الإحساس بعدم الثقة تجاه الصحفيين. ففي لبنان، مثلاً، هاجم متظاهرون عشرات الأطقم الإعلامية التابعة لقنوات مُقرَّبة من النظام ومعروفة برفضها للثورة. كما يتعرض صحفيون آخرون لهجمات عنيفة على الإنترنت من قِبل جهاتٍ سياسية وطائفية مختلفة. 

 

وفي إسرائيل (88)، يهاجم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وأنصاره وسائل الإعلام بانتظام تحت ذريعة قيامها بنشر "أخبار وهمية" وخدمة أهداف "الدعاية اليسارية"، لدرجة أن الصحفي الذي كان وراء كشف فضائح متعلقة بالفساد وجد نفسه مضطراً للاستعانة بحارس شخصي للحفاظ على سلامته. وفي سياق متصل، لا يزال الصحفيون في فلسطين (137) يواجهون العديد من الصعوبات لتغطية مسيرات الجمعة الأسبوعية ضد الاحتلال الإسرائيلي، حيث تأججت التوترات مع إعلان "صفقة القرن" من قبل دونالد ترامب، علماً أن أعداد الإصابات الخطيرة آخذة في الارتفاع.

 

وسواء تعلق الأمر بسياقٍ يطغى عليه النزاع المسلح أو عدم الاستقرار السياسي أو قمع المظاهرات، فإن العنف صار جزءًا لا يتجزأ من عمل الصحفيين في الشرق الأوسط. ولذلك، أصبح ضمان أمن الفاعلين الإعلامين في المنطقة رهاناً  رئيسياً أكثر من أي وقت مضى، خاصةً وأن العديد من هذه الدول فضَّلت تعزيز قبضتها على وسائل الإعلام والاستفادة من التطورات التكنولوجية لتشديد الرقابة على الفاعلين في القطاع، بدلاً من حماية الصحفيين ووسائل الإعلام. ففي هذا المناخ حيث بات يُنظر إلى الصحافة وكأنها جريمة وحيث أصبح القمع المنهجي هو سيد الموقف، يبدو أن مفهوم الإعلام بات مهدداً بالانقراض في المنطقة، إذا لم تستوعب أنظمة هذه الدول مدى أهمية وضع الأُسس لصحافة حرة ومستقلة.

مشاركة الخبر