بالتعاون مع مركز القانون والديمقراطية، تنشر مؤسسة سمير قصير تقييماً لبعض من أبرز الأحكام القضائية اللبنانية المتعلّقة بقضايا حرّية الرأي والتعبير والصحافة، من منظور المعايير القانونية الدولية وأفضل الممارسات. وقد صبّ بعض هذه الأحكام في صالح تعزيز الحرّيات، بينما ساهم بعضها الآخر في تقييد الحرّيات والحقوق. في ما يلي دراسة الحالة السابعة حول الحكم الصادر لصالح الممثل الكوميدي نور حجّار ومسرح "أوكوارد" يوم 9 كانون الأول/ديسمبر 2025.
في عام 2023، قدّم نور حجّار، وهو ممثل كوميدي، عرضاً كوميدياً ارتجالياً في مسرح "أوكوارد"، تضمّن مشهداً تمثيلياً عن عناصر في الجيش اللبناني أرغمتهم الأزمة الاقتصادية على العمل في خدمات توصيل الطعام مثل "توترز"، وهي شركة عاملة في لبنان والعراق (على غرار "دور داش" (DoorDash) و"أوبر إيتس" (Uber Eats)). وقد تمّ تصوير المشهد ونشره على الإنترنت.
في آب/أغسطس 2023، وبناءً على هذه الأحداث، استدعت منى حنقير، معاونة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، حجّار لاستجوابه في مقرّ الشرطة العسكرية في الريحانية، حيث تمّ استجوابه بحضور محاميته، السيدة ديالا شحادة، ثم إطلاق سراحه بعد احتجازه لمدة تسع ساعات تقريباً.
بعد ذلك، وُجّهت إلى حجّار ومدير مسرح "أوكوارد"، داني أبو جودة، تهمة انتهاك المادة 157 من قانون القضاء العسكري التي تُجرّم الأفعال المسيئة إلى الجيش أو المضرّة بسمعته.
نظرت المحكمة العسكرية في القضية في 12 أيلول/سبتمبر 2025 برئاسة رئيس المحكمة العميد وسيم فياض، ضمن هيئة ضمّت أيضاً القاضي المدني المستشار لدى المحكمة عباس جحا والمستشار العقيد بربر سركيس. ومثّل النيابة العامة العسكرية القاضي زياد الدغيدي، معاون المفوض الحكومي. وصدر الحكم في القضية في 9 كانون الأول/ديسمبر 2025.
خلال جلسة الاستماع، سأل رئيس المحكمة، القاضي فياض، حجّار عن مهنته، فأجاب: "أنا ممثل كوميدي". ثم سأله القاضي عمّا إذا كان قد أساء إلى سمعة الجيش، فأجاب حجّار بأن نيته كانت "تسليط الضوء على معاناة أفراد الجيش في ظل الأزمة الاقتصادية"، نافياً أي نية للإهانة أو التشهير. كما استجوب القاضي فياض داني أبو جودة سائلاً عن دوره في القضية، فأفاد هذا الأخير بأنه هو من أنتج الفيديو ونشره. وفي الختام، استفسر القاضي عمّا إذا كان حجّار وأبو جودة يتعهدان بعدم تكرار الفعل، فأجابا بأنهما قد حذفا الفيديو وأصدرا بياناً توضيحياً عن الأمر.
ثمّ أصدرت المحكمة قراراً بالإجماع بتبرئة المتّهمَين، استناداً إلى وجود عامل الشك وعدم كفاية الأدلة على إدانتهما، وأعفتهما من أتعاب المحاماة والمصاريف القانونية.
في نهاية المطاف، يمكن اعتبار هذه القضية انتصاراً لحرّية التعبير، باعتبار أنّ المتّهمَين قد بُرّئا من تهمة التعبير عن آرائهما.
لكن، في الوقت نفسه، لم يُتّخذ القرار على أساس أن التصريحات المعنية محميةٌ بموجب حرّية التعبير، بل على أساس وجود شكوك وعدم كفاية الأدلة اللازمة لإدانة المتّهمَين. وليس من الواضح أيّ دورٍ لعبه حذفُ المتّهمَين للفيديو وإصدارهما بياناً توضيحياً، إذ لم تُشر المحكمة إلى ذلك صراحةً في قرارها. غير أنّ تأثير ذلك على نتيجة الدعوى كان يمكن أن يكون كبيراً.
تجدر الإشارة إلى أنّ الهيئات الرسمية (العامة)، كالجيش مثلاً، لا تتمتّع، بموجب القانون الدولي، بسمعة يمكنها الدفاع عنها قانوناً. فعلى عكس الهيئات الخاصة، هذه الهيئات مملوكة للجمهور ومساءلة أمامه، وغير مضطرة إلى المنافسة في السوق. وبالتالي، فمن غير المفترض أن يُسمح لها برفع دعاوى قضائية للدفاع عن سمعتها في المقام الأول. وقد ورد هذا الأمر بوضوح تام في التعليق العام رقم 34 الذي اعتمدته لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في عام 2011، والذي ينص على ما يلي:
ينبغي للدول الأطراف ألا تحظر انتقاد مؤسسات، مثل الجيش أو الجهاز الإداري.[1]
بناءً على ذلك، فإن وجود المادة 157 في قانون القضاء العسكري يمثّل، بحدّ ذاته، انتهاكاً للحقّ في حرّية التعبير المكفول بموجب القانون الدولي. ولا نعلم ما إذا كانت المحكمة مخوّلة إجراء تقييم دستوري لشرعية هذا البند أم لا. ولكن حتى لو لم تكن كذلك، لكان من المفيد على الأقل أن تشير المحكمة صراحةً إلى أهمية حماية حرّية النقد والتعليقات على الجهات العسكرية، ضمن إطار الحق في حرّية التعبير، وإلى ضرورة محاسبة الجهات العامة، بما فيها الجهات العسكرية.
وبعيداً عن هذه القاعدة الواضحة في القانون الدولي، تجدر الإشارة أيضاً إلى أن قوانين التشهير يجب أن تستهدف التصريحات التي يمكن إثبات صحتها فقط. فكما ورد في التعليق العام رقم 34:
ينبغي أن تشمل [قوانين التشهير] أحكاماً تتعلق بالدفاع، مثل الدفاع عن الحقيقة، وألا تُطبّق في حالة أشكال التعبير التي لا تخضع بطبيعتها للتحقّق.[2]
وتندرج الكوميديا، من واقع تعريفها تقريباً، ضمن فئة التصريحات غير القابلة للتحقّق. ومع أننا لم نتمكن من مراجعة الفيديو، فيُشير السياق بقوة إلى أن الفيديو شكّل مثالاً على السخرية، لا ادعاءً محدداً (واقعياً) بشأن أنشطة عناصر الجيش.
ومن مبادئ القانون الدولي الأخرى ذات الصلة الوثيقة بهذه الدعوى- إلى جانب عدم أحقّية الهيئات العامة في رفع دعاوى قضائية للدفاع عن سمعتها- إلزامُ المسؤولين العموميين بتقبّل النقد بدرجة كبيرة. وقد أوضحت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان هذا الأمر في مناسبات عديدة، بما في ذلك التعليق العام رقم 34، على النحو التالي:
لاحظت اللجنة أنه في حالات النقاش العام الذي يتعلق بشخصيات عامة في المجال السياسي والمؤسسات العامة، فإن العهد الدولي يولي أهمية بالغة بشكل استثنائي لكفالة التعبير غير المقيّد. وبالتالي، فإن مجرد الاعتبار أن أشكال التعبير مهينةٌ لشخصية عامة ليس مبرراً كافياً لفرض عقوبات، لا سيما وأن الشخصيات العامة تستفيد بدورها من مواد العهد الدولي. [3]
لم تشمل هذه الدعوى تعليقاً تمّ إبداؤه على مسؤولٍ بعينه. ولكن نظراً إلى عدم وجود قاعدة تحظّر على الهيئات العامة رفع دعاوى التشهير، فلا بدّ من تطبيق هذا المبدأ، بمعنى أنه يُتوقّع من الهيئات العامة أن تتسامح مع قدرٍ كبير من النقد والتدقيق العام. وهنا أيضاً، كان من المفيد أن تُصدر المحكمة تعليقاً في هذا الصدد.
[1] التعليق العام رقم 34، 12 أيلول/سبتمبر 2011، CCPR/C/GC/34، الفقرة 38. التعليقات العامة هي تفسيرات معتمدة للحقوق تصدرها لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان دورياً. متوفرة بلغات مختلفة على الرابط التالي: https://docs.un.org/CCPR/C/GC/34.
[2] المرجع نفسه، الفقرة 47.
[3] المرجع نفسه، الفقرة 38.
تمّ إعداد هذا التقرير بفضل دعم وزارة الخارجية الهولندية..png)