في ذكرى سمير قصير، لا يمكنني القول بأن دمه لم يذهب هدراً. هذه كلمات تُقال في ذكرى موت المقاتلين أو السياسيين، لكنها لا تصحّ في دماء الصحافيين والكتّاب والمفكّرين. هؤلاء دائماً مهدورو الدم.
ليس في وسعك أن تقول لقد انتصرت الكلمة الحرّة متسلّحة بدماء شهداء الكلمة الحرّة، صحافيين وكتّاباً ومفكّرين. الكلمة الحرّة تخسر بصمت الكتّاب الذين ينصرف بعضهم لشؤون خاصة، وليس بالضرورة قمعاً أو تضييقاً من أي نوع. فكيف لا تخسر باغتيال بعض أعلامها؟ الكلمة الحرّة تخسر شيئاً من نفسها حين يتم التضييق على الكتّاب والصحافيين ومحاربتهم بلقمة عيشهم، وحين يتم اغتيال أحد أعلامها، يكون الاغتيال بمثابة إعلان حاسم بأن الرصاصة أسرع من الصوت وأقوى منه طبعاً.
في ذكرى سمير قصير، لا يجد متذكّروه مفرّاً من استعادة بعض كلماته، تدليلاً على أن الكلمة باقية والطغاة زائلون، لكن واقع الأمر ليس كذلك على الإطلاق. أنا أعرف، ولو كان سمير حيّاً كان سيعرف أيضاً، أن كلماته التي نحتفي بها اليوم باتت بحاجة إلى تعديلات كثيرة. الكتّاب لا يصمدون أمام المتغيّرات. يتغيّرون معها، ويعدّلون في جيناتهم، لأنهم صادقون وشفّافون كعين الشمس. لو كان سمير حيّاً، لكان، على الأرجح، قد عدّل كثيراً من أفكاره، ليس لأنها لم تكن أفكاراً لامعة، بل لأن الوقائع دائما تقتل كل ما يلمع.
كلّنا كتبنا عن الثورة السورية، حين كانت دماً خالصاً في مواجهة رصاص خالص. شهداء الثورة السورية الأوائل هم رفاق سمير قصير الأقربون. كانوا يصرخون في مواجهة الرصاص، وهو ما كان يفعل شيئاً غير الصراخ في وجه الرصاص الذي كان يعرف أنه سيأتي ذات يوم. لا أغمط حق الثوار في أن يستخدموا الرصاص في مواجهة الرصاص، لكنني أعرف أن انتشار الرصاص يخنق كثيراً من الكلام. كل رصاصة هي رصاصة طائشة، وتصيب الله في مقتل.
هذا ليس حديثاً في السياسة، ولا في التاريخ. فشؤون السياسة لا تستقيم من دون عنف خالص أو مقنّع. وشؤون التاريخ لا تسير إلا بالعنف الذي يصنع من أبو العباس السفّاح نجماً ومن المستعصم بالله مجهولاً ونكرة. والذي يترك لطارق بن زياد البطولة والبطش، ويترك لأبي عبدالله الصغير نعمة البكاء.
أنا شخصياً أنحاز لهذا الأخير، لكل الأخيرين. أريد أن أبكي، لا أن أنتقم. ذلك أن أي نصر مهما بلغت عظمته، لا يمكن أن يعوّضني عن كاتب كسمير قصير. التاريخ برمّته لا يعوّضني عن ميتة رولان بارت المفاجئة. الكتّاب يجب أن يعلنوا موتهم بأنفسهم. يجب أن يخبرونا قبل وقت طويل من موتهم أنهم دخلوا في مرحلة الصمت، وكل موت مفاجئ يحيق بكاتب ما، هو بمعنى ما خسارة لا تعوّض.
ما هي الكلمات التي خسرناها باغتيال سمير قصير؟
ثمة أفكار لا تحصى تدور في رأسي الآن وأنا أحاول أن ألبس حذاءه. ليس ثمة مكان للتخمين. ما يكتبه سمير قصير اليوم يجب أن يكتبه سمير قصير ولا أحد آخر. هكذا تسير الأمور في هذه المهنة ابنة الكلاب. وعلى هذا النحو أريد أن أحب الكتّاب الذين صمتوا عن سابق تصوّر وتصميم. بعضهم كان من زملاء سمير قصير، وبعضهم معروف في هذا العالم الواسع. أريد أن أحيّي فضيلة الصمت، والموت المعلن. الكتّاب يجب أن يموتوا بإرادتهم، ليس في حادث سيارة، وليس نتيجة نوبة قلبية، بل بإرادتهم الحرّة، كأن يلقي المرء بنفسه من شرفته، كما فعل جيل دلوز، أو أن يطلق النار على رأسه مثلما فعل خليل حاوي إثر فجيعة، وقبله تيسير سبول إثر فجيعة أخرى. هكذا يجدر بالكتّاب أن يغيبوا، وهكذا نعرف أنهم أتمّوا ما يريدون قوله ولم يعد ثمة مزيد. أما أن تُقصف أعمارهم الكتابية في زهوتها، وأريد أن أعتذر من أرملة سمير قصير وابنتيه وأمهما وأهله ومحبّيه على هذه القسوة التي تسكنني في ذكرى سمير، فهذا موت يبقى نازفاً حتى أبد الدهر.
سمير لم يُتِمّ كلامه. هذا يعني أنه حتى لم يتمتع بحق المحكوم بالإعدام في قول كلمته الأخيرة.
اليوم أريد أن أقول كلمتي، نيابة عن سمير قصير وبالأصالة عن نفسي: قتْل كاتب ليس أكثر من عبث أعمى. لأن الطغاة فقط هم من يظنّون أن الكلمة التي يكتبها الكاتب أقوى من الرصاصة. في حين يعرف الكتّاب جيداً أن كلماتهم لا تقوى على حمل نفسها، وما أن يتوكأ عليها أي حدث حتى تنهدم تماماً. الكتّاب، هؤلاء الذين يجدر بالعالم أن يحتفي بثرثرتهم إلى أن يقرروا الصمت، لا يقتلهم قبل أوانهم غير الذين يمجّدون الكلمة، ويضعونها في مكان أعلى من مكانها الحقيقي، وتلك صفة المؤمنين المسعورين.